منوعات

خطيبه اخويا

أخويا عزم خطيبته ومامتها عندنا على الغداء، فماما اتصلت عليا وقالتلي: “تعالي يا بنتي ساعديني نعمل لهم غدا كويس.” فرحت من قلبي، وقلت دي فرصة أفرح بأخويا وأكرم خطيبته وأهلها، وقعدت من بدري في المطبخ أجهز الأكل. عملتلهم بشاميل، وجلاش، وفراخ مشوية، وسلطة، وحاولت أطلع كل حاجة بأحسن شكل. ماما كانت مبسوطة، وكل شوية تقول لي: “ربنا يكرمك يا بنتي، تعبناكِ معانا.” لحد ما وصل أخويا وخطيبته ومامتها… استقبلناهم بكل ترحاب، وقعدنا على السفرة، والحمد لله الأكل عجبهم جدًا، وخطيبة أخويا كانت كل شوية تقول:

“بجد الأكل حلو أوي.” أنا اتبسطت، وقلت لنفسي إن اليوم هيعدي على خير. بعد الغداء، قلت لهم: “أعمل لكم شاي ولا عصير؟” أخويا رد بسرعة: “اعملي شاي، بيكون حلو بعد الغدا.” وقبل ما أقوم، لقيت خطيبته بتقول لي: “محدش هيعمل الشاي غيري.” بصيت لها باستغراب وقلت: “ليه يا حبيبتي؟” قالت: “أصلي بحب أعمله بنفسي.” أنا بصراحة المطبخ كان محتاج يتلم، وأنا مش حابة حد يدخل ويشوفه كده، خصوصًا إننا كنا لسه مخلصين غدا، فقلت لها: “ابقي اعمليه لما تتجوزي، إنما النهارده دوقي الشاي من إيديا.”

#حكايات_مني_السيد ردت بمنتهى البرود: “أصلًا أنا مش بحب الشاي.” سكت…عملت الشاي لمامتها ولأخويا، وقعدنا شوية. بعدها أخويا قال لها: “ما تيجي أفرجك على شقتك.” قالت له: “يلا بينا.” وقاموا الاتنين. أنا بصراحة عندي بنات، ودماغي اشتغلت في ثانية. قلت لأخويا: “استنى، أنا طالعة معاكم.” البنت بصت لي، وبوزها بقى قدامها شبرين. لبست طرحتى وجريت وراه. من أول ما دخلنا الشقة وهي عمالة ترمي كلام بطريقة مستفزة: “ناس ما عندهاش دم.”

وبعد شوية: “في ناس رخمة أوي.” وبعدين قالت وهي بتبص لي: “في ناس بتحب تدخل في كل حاجة.” أنا كنت سامعة وساكتة. كنت ممكن أرد عليها، لكن قلت: دي لسه خطيبة أخويا، ومش عايزة أعمل مشكلة. الأغرب إن مامتها كانت واقفة تحت، ولا سألت بنتها قالت إيه، ولا علقت على أي تصرف. أنا خلاص دمي كان اتحــ,,ـــــرق… نزلت السلم ودموعي محبوسة في عيني من القهر، وكنت كل ما أفتكر كلامها أحس إن نفسي مكتوم.

أنا طول عمري بحترم ضيوف بيتنا، وعمر ما حد دخل بيت أهلي وخرج منه زعلان بسببي، لكن اللي حصل النهارده خلاني حاسة إني أنا اللي غلطانة لمجرد إني حاولت أحافظ على أخويا وبيتنا. وصلت لمدخل العمارة، ومديت إيدي عشان أفتح الباب وأخرج للشارع… حصري على صفحة روايات و اقتباسات وفجأة! سمعت من فوق صوت خبط ورزع عنيف جدًا، لدرجة إن صوته هز العمارة كلها، وقفت مكاني واتجمدت… ثواني، وسمعت صوت صريخ هستيري طالع من فوق.

صوت خطيبة أخويا وهي بتصرخ وتستغيث: “الحقوووني!” وبعدها مباشرة سمعت صوت أمها وهي بتجري على السلم وبتصوت بأعلى صوتها: “الحقونااا! البت هتموووت!” قلبي وقع في رجلي…نسيت كل اللي حصل بيني وبين البنت، وطلعت أجري على السلم وأنا مش حاسة برجلي من الخوف. كل درجة كنت بطلعها كان صوت الصريخ بيعلى أكتر. وأول ما وصلت قدام باب الشقة، لقيته مفتوح. دخلت وأنا بصرخ: “في إيه؟! حصل إيه؟!” لكن أول ما رفعت عيني وشوفت المنظر اللي قدامي، اتصدمت…

خطيبة أخويا كانت واقفة في نص الصالة، وشها أصفر وبتترعش، وأخويا ماسك فيها من كتفها وبيحاول يهديها، بينما مامتها كانت واقفة عند باب الشقة وبتصرخ: “بنتي شافت حاجة جوه الأوضة!” بصيت لأخويا وقلت: “إيه اللي حصل؟!” قال وهو مرتبك: “والله ما أنا فاهم… دخلنا أوضة النوم عشان أوريها الشقة، وفجأة صرخت ورمت نفسها برا!” بصيت لخطيبته: “إنتِ شوفتي إيه؟” فضلت تشير ناحية أوضة النوم من غير ما تتكلم. مامتها قالت:

“ادخلي شوفي بنفسك!” دخلت الأوضة بحذر، وبصيت حواليّا… مفيش حاجة غريبة. سر,,ـــــير، دولاب، شباك، ومجموعة كراتين لسه أخويا ما رتبهاش. قلت: “مفيش حاجة هنا!” فجأة خطيبته صرخت: “تحت السر,,ـــــير!” نزلت ببصي ناحية الأرض… وكان فيه شنطة سفر سودا كبيرة نصها ظاهر من تحت السر,,ـــــير. أخويا قرب منها وقال: “دي مش شنطتي.” أنا استغربت وقلت: “أمال شنطة مين؟” قربنا كلنا منها، وأخويا سحبها بحذر. كانت مقفولة بقفل صغير. خطيبة أخويا أول ما شافتها رجعت لورا وقالت:

“أنا شفت نفس الشنطة دي قبل كده!” مامتها بصتلها وقالت: “شفتيها فين؟” البنت سكتت. أخويا قال بعصبية: “اتكلمي!” قالت بصوت واطي: “في بيتنا… قبل ما بابا يمــ,,ـــــوت.” سكتنا كلنا. أخويا بص لها باستغراب: “يعني إيه؟” قالت: “بابا قبل وفاته بأيام كان مخبي شنطة شبه دي، وكان كل ما حد يسأله عنها يقول محدش يقرب منها.” أنا حسيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد شنطة غريبة. أخويا حاول يفتح القفل، لكنه ما عرفش.

فجأة سمعنا صوت مفتاح في باب الشقة. كلنا لفينا ناحية الباب. دخلت ست كبيرة في السن، أول ما شافتنا اتجمدت مكانها. بصت للشنطة… وبعدين بصت لخطيبة أخويا. وشها اتغير تمامًا. وقالت بصوت مرتعش: “إنتِ هنا؟!” خطيبة أخويا قربت منها وقالت: “حضرتك مين؟” الست بصت لأخويا وقالت: “إنت لازم تعرف الحقيقة قبل ما تتجوزها.” أخويا اتوتر: “حقيقة إيه؟” الست أشارت للشنطة وقالت: “الشنطة دي سبب إن أبوها مات.” الدنيا سكتت. خطيبة أخويا بدأت تعيط، ومامتها قالت بعصبية:

“إنتِ بتقولي إيه؟!” الست ردت: “أنا مش جاية أهدد بنتك… أنا جاية أنقذها.” وبعدين بصت لي أنا تحديدًا وقالت: “وإنتِ كويس إنك طلعتي معاهم النهارده، لأن لو كنتي مشيتي زي ما كنتي ناوية… كان زمان المصيبة حصلت من غير ما حد يعرف.” أنا حسيت بقشعريرة في جسمي. وقلت: “مصيبة إيه؟!” الست قربت من الشنطة وهمست: “افتحوها… وهتفهموا ليه البنت دي كانت مرعوبة أول ما شافتها.” أخويا أخيرًا قدر يكسر القفل.

فتح الشنطة… لكن أول ما شوفنا اللي جواها، كل واحد فينا وقف مكانه من الصدمة. لأن الشنطة ما كانش جواها فلوس… ولا دهب… كان جواها ملف كامل، وصور، وأوراق باسم خطيبة أخويا… وفوق كل الأوراق كانت فيه صورة واحدة قلبت كل حساباتنا. صورة لخطيبة أخويا وهي طفلة… واقف جنبها راجل غريب. وتحت الصورة مكتوب بخط إيد أبوها: “لو حصل لي حاجة… دوروا على الراجل ده، لأنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة.”

أخويا مسك الصورة، وبص لخطيبته وقال: “إنتِ تعرفي الراجل ده؟” البنت انهارت في العياط وقالت: “أيوه…” وسكتت ثواني. وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي: “ده مش راجل غريب… ده عمي، وأنا طول عمري فاكرة إنه مات من عشرين سنة.” وهنا فهمنا إن زيارة الشقة ما كانتش صدفة… وإن الشنطة كانت مستخبية هناك من سنين لسبب محدش فينا كان يتخيله. لكن قبل ما نعرف الحقيقة كاملة، الست الكبيرة قالت:

“لسه في ورقة واحدة أهم من كل اللي في الشنطة…” ومدت إيدها تحت بطانة الشنطة. طلعت ظرف أبيض صغير. ناولته لأخويا وقالت: “اقرأه بصوت عالي.” فتح أخويا الظرف… وقرأ أول سطر. وبمجرد ما قرأه، بص لخطيبته بصدمة وقال: “أبوكي كان عارف إن جوازك مني هيكشف سر كبير… وعشان كده هو اللي اختارني ليكي من قبل ما نتقابل أصلًا!” ساعتها بصيت لأخويا، وبعدين لخطيبته، وفهمت إن اللي حصل من أول الغداء لحد اللحظة دي ما كانش مجرد سوء تفاهم عائلي…

دي كانت بداية سر قديم جدًا… سر ممكن يغيّر حياتنا كلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى