ضحكت ضحكة موجوعة: — يتصلح إيه يا حجة؟ قالت: — البيت. رديت عليها: — أنا مش هبقى جزء من بيت شايف إن كرامتي تمنها طبق أكل وفراخ جاية من أهلي. سكتت. وبعدين قالت: — يعني هتسيبيه؟ بصيت لها وقلت: — أنا مش اللي سبته… هو اللي ساب إنسانيته على باب الشقة. خرجت وهي ساكتة. بعد خروجي من المستشفى، رفعت قضي.ة، وأهلي وقفوا جنبي. ومحمود حاول يعتذر ويطلب فرصة تانية. لكن المرة دي أنا اللي قلت:
— لأ. مش كرهًا فيه… لكن عشان فهمت حاجة متأخرة. إن البيت اللي الإنسان يخاف فيه من أقرب الناس ليه، مش بيت. وإن الطاعة مش معناها إلغاء الكرامة. وإن “العِشرة” عمرها ما تكون مبرر للأذى. بعد شهور، انتهت العلاقة بيني وبين محمود. ورجعت بيت أبويا. وفي أول يوم رجعت فيه، أمي عملتلي نفس الأكلة اللي كنت بحبها وأنا صغيرة. حطت الطبق قدامي وقالت وهي بتعيط: — كلي يا بنتي… دي أول مرة من شهور آكلك من غير ما أخاف عليكي.
بصيت للطبق، ودموعي نزلت. وقلت لها: — أنا كنت فاكرة إن أهلي لما يبعتوا لي الخير، أنا لازم أديه كله عشان أثبت إني عروسة أصول. ابتسمت أمي وسط دموعها: — الأصول يا بنتي مش إنك تدي كل حاجة لغيرك… الأصول إنك ما تظلميش نفسك. ومن يومها، بقيت كل ما أفتكر أول يوم حماتي قالتلي فيه: “شقتك للنوم بس.” أفتكر إن أكبر غلطة عملتها… إني صدقت إن الشقة هي المشكلة. لكن الحقيقة إن المشكلة كانت في ناس شايفين إن من حقهم يمتلكوا حياتي كلها.
والحمد لله… خرجت من البيت قبل ما يتحول سجني إلى قبري. أضيفي تمهيدًا يربط البداية بالنهاية خففي تفاصيل الإصابات والدماء اجعلي مفاجأة السلفة الأولى أقوىأمي سابت الشيل من إيدها، والأطباق اتكسرت على الأرض. وأبويا وإخويا اتسمروا مكانهم، والذهول والرعب جمد الدم في عروقهم، وهما شايفين العروسة الجديدة اللي بقالها شهر متجوزة… مرمية على الأرض في دمها، وشها متشوفش من كتر الضرب والمتورم، وجسمها زي الجثة الهامدة الكتابة باقي القصة… أمي أول ما شافتني، طلعت منها صرخة هزت البيت:
— يااااا بنتي!! جريت عليا ووقعت جنبي، وفضلت تهز فيا وهي بتبكي: — قومي يا ضنايا… قومي بصيلي! مين عمل فيكي كده؟! أبويا وقف مكانه ثواني، وكأنه مش مستوعب اللي شايفه. وبعدين صوته طلع مرتعش: — محمود عمل فيها كده؟ أخويا الكبير ما ردش. كان واقف بيبص على آثار الدم، وعلى هدومي المقطعة، وبعدين بص ناحية باب الشقة. وفجأة قال: — محدش يلمس حاجة! أبويا بصله باستغراب: — ليه؟ قال وهو بيطلع موبايله:
— عشان اللي حصل هنا لازم يتوثق… ومش هنسيب حق أختي يضيع. أمي كانت منهارة، لكني بدأت أفتح عيني بالعافية. بصيت لها، وأول كلمة خرجت من بقي كانت: — ماما… متخليش محمود يقتلني… أمي شهقت وحضنتني: — محمود؟! هو اللي عمل فيكي كده؟! هزيت راسي بالعافية. — أمه… كانت عايزة كل حاجة من عندكم تنزل تحت… ولما محمود رجع، ضربني… أبويا قبض إيده، لكن أخويا مسكه وقال: — بابا، دلوقتي الأولوية لأختنا. لازم المستشفى.
شالوني ونزلنا بيّا بسرعة. لكن قبل ما نخرج من باب البيت، ظهرت حماتي على السلم. كانت واقفة وكأنها مستنية تشوف رد فعلنا. بصتلي وأنا محمولة بين أبويا وأخويا، وقالت بمنتهى البرود: — هي اللي استفزته… محمود عمره ما كان يعمل كده من نفسه. أبويا وقف. بص لها وقال: — بنتي كانت بتموت فوق، وإنتِ واقفة بتبرري؟ ردت بمنتهى الثقة: — دي مراته، وأنا أم جوزها، وبيتنا له أصول. أخويا قرب منها وقال:
— الأصول مش معناها إنك تكسري إنسانة. وسابها وخرج. في المستشفى، الدكاترة دخلوني الطوارئ فورًا. أمي كانت بتبكي برة، وأبويا قاعد ساكت، وأخويا بيتابع كل حاجة. بعد ساعات، الدكتور خرج وقال: — الحمد لله إنها عدت مرحلة الخطر، لكن محتاجة متابعة وراحة. أمي حطت إيدها على قلبها: — يعني بنتي هتعيش؟ الدكتور قال: — إن شاء الله. الكلمة دي كانت أول نفس يدخل صدر أمي من ساعة ما شافتني. لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن أخويا كان بدأ يجمع كل الأدلة. صور الإصابات. تقرير المستشفى. وشهادة أهلي. وكمان تسجيلات كاميرات البيت اللي كانت موجودة في المدخل. والأهم… كان فيه تسجيل صوتي لحماتي وهي بتتكلم مع محمود قبل ما يطلع الشقة ليلة الحادثة. بعد يومين، محمود ظهر في المستشفى. دخل الأوضة ووشه متغير. قرب مني وقال: — أنا آسف. بصيت له من غير ما أرد. قال: — أمي كانت غضبانة… وأنا اتعصبت. أبويا وقف وقال:
— تتعصب فتضرب بنتي لحد ما تنزف؟ محمود سكت. أخويا فتح موبايله وشغل التسجيل. طلع صوت حماتي واضح: — لو طلعت فوق تاني وأكلت بعيد عن البيت، كسّر لها دماغها… وخليها تعرف إن هنا مفيش غير كلامي. محمود في التسجيل رد: — حاضر يا أمي. الأوضة كلها سكتت. محمود بص للأرض. وأمي قالت بصوت مكسور: — دي مش أم نصحت ابنها… دي أم سلمته مراتُه عشان يعذبها. لكن المفاجأة كانت لسه جاية.
أخويا قال: — في حاجة تانية يا محمود. محمود رفع عينه. أخويا حط قدامه ورقة. — دي مش أول مرة أمك تعمل كده. محمود اتوتر: — قصدك إيه؟ قال: — سلفتك الأولى مشيت من البيت من غير ما حد يعرف ليه. محمود بلع ريقه. أخويا كمل: — وإحنا عرفنا السبب. وسكت لحظة. — لأنها كانت بتتعرض لنفس اللي أختي اتعرضت له. محمود وشه اصفر. لأول مرة بدأ يفهم إن الموضوع أكبر من خناقة بين أم وكنتها.
بعد أيام، وأنا لسه في المستشفى، دخلت عليا حماتي. كانت لوحدها. قعدت بعيد عن السرير وقالت: — أنا جايّة أقولك كلمة. بصيت لها من غير رد. قالت: — إنتِ لو رجعتي محمود، كل حاجة هتتصلح. ضحكت ضحكة موجوعة: — يتصلح إيه يا حجة؟ قالت: — البيت. رديت عليها: — أنا مش هبقى جزء من بيت شايف إن كرامتي تمنها طبق أكل وفراخ جاية من أهلي. سكتت. وبعدين قالت: — يعني هتسيبيه؟
بصيت لها وقلت: — أنا مش اللي سبته… هو اللي ساب إنسانيته على باب الشقة. خرجت وهي ساكتة. بعد خروجي من المستشفى، رفعت قضية، وأهلي وقفوا جنبي. ومحمود حاول يعتذر ويطلب فرصة تانية. لكن المرة دي أنا اللي قلت: — لأ. مش كرهًا فيه… لكن عشان فهمت حاجة متأخرة. إن البيت اللي الإنسان يخاف فيه من أقرب الناس ليه، مش بيت. وإن الطاعة مش معناها إلغاء الكرامة. وإن “العِشرة” عمرها ما تكون مبرر للأذى.
بعد شهور، انتهت العلاقة بيني وبين محمود. ورجعت بيت أبويا. وفي أول يوم رجعت فيه، أمي عملتلي نفس الأكلة اللي كنت بحبها وأنا صغيرة. حطت الطبق قدامي وقالت وهي بتعيط: — كلي يا بنتي… دي أول مرة من شهور آكلك من غير ما أخاف عليكي. بصيت للطبق، ودموعي نزلت. وقلت لها: — أنا كنت فاكرة إن أهلي لما يبعتوا لي الخير، أنا لازم أديه كله عشان أثبت إني عروسة أصول.
ابتسمت أمي وسط دموعها: — الأصول يا بنتي مش إنك تدي كل حاجة لغيرك… الأصول إنك ما تظلميش نفسك. ومن يومها، بقيت كل ما أفتكر أول يوم حماتي قالتلي فيه: “شقتك للنوم بس.” أفتكر إن أكبر غلطة عملتها… إني صدقت إن الشقة هي المشكلة. لكن الحقيقة إن المشكلة كانت في ناس شايفين إن من حقهم يمتلكوا حياتي كلها. والحمد لله… خرجت من البيت قبل ما يتحول سجني إلى قبري. أضيفي تمهيدًا يربط البداية بالنهاية
خففي تفاصيل الإصابات والدماء اجعلي مفاجأة السلفة الأولى أقوى