طارق بص للموبايل، وبعدها بص لمنى. ولأول مرة فهم إن الموضوع ماكانش مجرد فيزا. منى كانت عايزة فلوس علشان تسدد ديون ضخمة كانت مخبياها عن كل العيلة. وكان طارق ضامن لها من غير ما مراته تعرف. لكن المصيبة الأكبر… إن منى كانت عاملة قرض باسم طارق نفسه. طارق مسك دماغه: — إنتي عملتي إيه يا منى؟ قالت وهي بتعيط: — كنت مضطرة! — وأنا ذنبي إيه؟! — ما إنت أخويا!
ضحك ضحكة مرة: — أيوه… أنا أخوكي. بس مراتي كانت مراتي برضه. في نفس الوقت، كنت قاعدة عند صاحبتي فريدة، ووشي متغطي بشاش، قدامي تقرير المستشفى وصورة المحضر. فريدة كانت بتبصلي بحزن: — هتكملي في الخـ,ـلع؟ بصيت لها: — أنا مش طالبة أنتقم منه يا فريدة. — أمال؟ — أنا بس مش عايزة أصحى كل يوم وأنا خايفة من إيد الشخص اللي المفروض يحميني. سكتت. وبعد شوية قلت: — بس فيه حاجة واحدة لسه مش فاهمها.
— إيه؟ طلعت من شنطتي ورقة. — قبل ما أخرج من البيت، لقيت دي جوه درج مكتبي. فريدة قرأتها، واتغير وشها. كانت صورة تحويل بنكي. المبلغ كان كبير جدًا. والتحويل تم من حساب طارق إلى حساب منى قبل العزومة بيومين. لكن المفاجأة إن خانة سبب التحويل مكتوب فيها: “دفعة أولى مقابل بيع حصة في الشقة.” فريدة بصتلي: — يعني طارق كان ناوي يبيع الشقة؟ هززت راسي. — من غير ما يقولي.
لكن كان فيه تفصيلة أغرب. اسم المشتري في الورقة ماكانش اسم منى. كان اسم رجل غريب تمامًا. تاني يوم، وأنا في مكتب المحامي، دخل علينا شخص ماكنتش متوقعة أشوفه. طارق. كان وشه مرهق، وعينيه حمرا. قال: — ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟ بصيت للمحامي، فهز راسه. قعد طارق قدامي وقال: — أنا غلطت. ما رديتش. — غلطت لما مدّيت إيدي عليكي. سكت. — وغلطت لما حطيت أختي فوقك. قلت له:
— الموضوع مش إنك اخترت أختك يا طارق… الموضوع إنك اخترت تظـ,ـلمني عشانها. نزل عينه للأرض. وبعد لحظات قال: — أنا كنت فاكر إني بحميها. — من إيه؟ طلع موبايله وحطه قدامي. — من الراجل ده. فتحت الصورة. واتصدمت. كان نفس الرجل المكتوب اسمه في عقد بيع الشقة. طارق قال: — منى كانت مديونة له بمبلغ كبير. وهو هددها ياخد شقتها ويحبسها لو مدفعتش. — وإنت؟ — أنا حاولت أبيع الشقة وأسدد لها.
بصيت له: — شقتنا؟ سكت. قلت: — كنت هتبيع بيتنا عشان تنقذ أختك؟ قال: — كنت هشتريلك مكان تاني. ضحكت من الصدمة: — أنت حتى ما سألتنيش! وبعدين حطيت قدامه ورقة. — والأهم من ده كله… أنا اكتشفت إن الشقة أصلًا مش من حقك تبيعها. اتجمد. المحامي قال: — حضرتك نسيت إن موكلتي دفعت أكتر من نصف ثمن الشقة، وعندها مستندات تثبت ده. طارق فضل ساكت. لكن قبل ما يقوم، قال:
— في حاجة لازم تعرفيها. — إيه؟ — منى مش هي اللي كانت بتحرك كل حاجة. قلبي دق. — أمال مين؟ طارق بصلي وقال: — أمي. روحت بيت حماتي لأول مرة بعد اللي حصل. لقيتها قاعدة في الصالة، وأول ما شافتني قامت. — جاية ليه؟ قلت: — عشان أسألك سؤال واحد. — اسألي. طلعت صورة التحويل وحطيتها قدامها. — إنتي كنتي عارفة إن طارق ناوي يبيع الشقة؟ وشها اتغير. قلت:
— وكنتِ عارفة إن منى عليها ديون؟ سكتت. وبعدين قالت: — كنت بحاول أحمي بنتي. قلت: — وأنا كنت إيه؟ ردت ببرود: — إنتي كنتي عايشة معانا. الجملة دي رجعتني لنفس كلام طارق. “إنتي مجرد واحدة عايشة هنا.” بس المرة دي ماوجـ,ـعتنيش. لأنني فهمت الحقيقة. أنا عمري ما كنت واحدة عايشة عندهم. أنا كنت اللي شايلة البيت. واللي دفعت جزء من تمنه. واللي وقفت جنب ابنهم أربع سنين. واللي طبخت وعملت عزومات وسندت الكل.
لكنهم افتكروا إن الطيبة معناها الضعف. وقتها قلت لحماتي: — خلاص… من النهارده كل واحد يشيل نتيجة اختياراته. ومشيت. بعد شهرين، المحكمة حددت أول جلسة. طارق حاول يطلب الصلح. رفضت. مش كراهية. لكن لأن الثقة لما بتتكسر، مش كل مرة ينفع تتصلح. وفي يوم الجلسة، دخل طارق ومعاه منى. لكن منى أول ما شافتني قربت مني وقالت: — أنا آسفة. بصيت لها. — على إيه؟ عيطت وقالت: — أنا كنت السبب.
— في إيه؟ — أنا اللي قلت لطارق إنك هتوافقي تديني الفيزا. سكت. — وكنت عارفة إنه عصبي… بس ماكنتش متخيلة إنه هيمد إيده عليكي. قلت لها: — الغلط مش إنك طلبتي. الغـ,ـلط إنكم افتكرتوا إن من حقكم تاخدوا حاجة مش بتاعتكم. هزت راسها. ومشيت. بعد ست شهور… كنت قاعدة في شقتي الجديدة. مش كبيرة. لكن كانت باسمي. كل حاجة فيها اخترتها بإيدي. حتى السفرة. اشتريت سفرة صغيرة جدًا. وفي أول يوم جبت فنجان قهوة وحطيته قدامي.
فضلت أبص له شوية. وبعدين ضحكت. لأول مرة القهوة ماكانتّش رمز للوجع. كانت مجرد قهوة. موبايلِي رن. رسالة من طارق. “أنا عارف إنك مش هترجعي، بس حبيت أقولك إن منى سددت جزء من ديونها، وأنا بدأت أتعالج من عصبيتي. آسف.” قفلت الرسالة. مش لأن قلبي حجر. لكن لأن الاعتذار مش دايمًا معناه الرجوع. وبعدها بدقائق جالي اتصال من المحامي. قال: — عندي خبر كويس. — خير؟ — المحكمة أثبتت حقك في جزء كبير من الشقة القديمة، وكمان فيه تعويض عن الاعـ,ـتداء.
سكت لحظة، وبعدين قلت: — خلاص… مش عايزة حاجة لنفسي. — أمال؟ قلت: — عايزة أعمل مشروع صغير للبنات اللي اتعرضوا للعـ,ـنف ومش لاقيين مكان يبدأوا منه. ضحك المحامي: — يعني القهوة المرة فادت في الآخر؟ ضحكت وقلت: — لا… اللي فادني إني فهمت إن الإنسان لما يحترم نفسه، الدنيا كلها بتبدأ تحترمه. ومن يومها… كل ما أعمل قهوة، أفتكر اليوم اللي طارق رماها في وشي. بس بدل ما أفتكر الوجع…
بفتكر اللحظة اللي قررت فيها لأول مرة في حياتي: إني ما أسمحش لأي حد يعاملني كأني أقل منه… حتى لو كان أقرب الناس ليا. والأغرب؟ بعد سنة كاملة، وأنا فاكرة إن الحكاية انتهت… وصلني ظرف مجهول. فتحته. وكان جواه صورة قديمة لطارق ومنى وأمهم… وخلف الصورة جملة واحدة: “لو كنتِ عايزة تعرفي مين كان المشتري الحقيقي للشقة… اسألي طارق عن أبوه.” ساعتها حسيت إن الحكاية اللي بدأت بفنجان قهوة… يمكن كانت مخبية سر عمره عشرين سنة!
وضّحي مصدر العفش وملكية الشقة اربطِي سر الأب ببداية أقوى خفّفي التناقض في مصير الشقة