منوعات

العيله كلها دكاتره

وجوزي يوسف كان واحد من الدكاترة اللي بيدربوه. أنا شخصيًا ماكنتش أعرفه كويس. لحد يوم، وصلتني دعوة فرح. «نادر رياض وكاميليا مراد.» أختي. قريت الدعوة مرتين. ماكنتش أعرف إنهم مرتبطين. تقنيًا، يوسف كان مدعو لأنه أستاذ نادر والمشرف عليه. واسمي كان موجود معاه باعتباري مراته. في الأول كنت هرفض. يوسف بصلي وقال: «نادر عازمنا.» قلت: «وبعدين؟» قال: «نروح كضيوفه، ولو حسيتي إنك مش مرتاحة نمشي في أي وقت.» وافقت. الفرح كان في قصر حجري فخم بره القاهرة.

حوالي 200 شخص. ورد أبيض. وشموع. وفرقة موسيقية صغيرة. وأنا بقالي 9 سنين ما شفتش عيلتي. أمي شافت اسمي في كشف الترابيزات قبل ما تشوفني. «مريم مراد.» الترابيزة رقم 2. تعبير وشها اتغير لثانية واحدة بس. وبعدين رجع لنفس الابتسامة الرسمية اللي كنت فاكرها من أيام حفلات المستشفى. بعد شوية، لقتني واقفة جنب مدخل القاعة. وجت ناحيتي. وقالت: «إنتِ جاية هنا ليه؟» رديت بهدوء: «نادر عزم يوسف.» قالت: «لازم تمشي.»

وقبل ما ألحق أرد، ظهرت كاميليا. كانت لسه لابسة فستان فرحها. وأول ما شافتني، وشها اتشد. وقالت: «إنتِ أصلًا مش معزومة.» قلت: «بس اسمي موجود في كشف الترابيزات.» قالت: «مش ده قصدي.» قربت مني وقالت: «مفيش أي حكاية هنا يا مريم.» بصيت لها. «يعني إيه؟» قالت وهي بتبص ناحية القاعة: «بالنسبة لنادر وعيلته، أنا بنت وحيدة.» للحظة، ماعرفتش أتكلم. «إنتِ قلتي لجوزك إن مالكيش أخت؟» بصت ناحية القاعة وقالت: «قلت له اللي يخصه يعرفه.»

كنت على وشك أضحك. 9 سنين من القطيعة… وفي الآخر وجودي نفسه لسه حاجة مزعجة لدرجة إنهم قرروا يمسحوني من الحكاية. قلت: «أنا مش همشي.» ردت: «ده فرحي.» قلت: «وأنا ضيفة يوسف.» عينيها اتغيرت. «ماتخليش اليوم ده يبقى عنك.» المضحك إني ماكنتش قلت أي كلمة لحد. مجرد إني ظهرت قدامهم كان كفاية عشان يعتبروني مشكلة. خلص العشا. واتقدم الحلو. وبعدين بدأ وقت الكلمات. نادر شكر أهله. وشكر كاميليا. وشكر زمايله.

وبعدين بص ناحية يوسف. وقال: «دكتور يوسف… إنت غيرت اتجاه حياتي المهنية.» يوسف ابتسم. نادر كمل: «لكن فيه شخص تاني موجود هنا الليلة، لازم أشكره.» حاجة اتغيرت في نظرة يوسف. بصيت له. همسلي: «أنا ماقولتلوش.» نادر بدأ يتكلم عن «منحة عديلة مراد». عن إزاي المنحة مولت أبحاثه. وإزاي سمحت له يقضي سنة كاملة يدرس طرق أفضل لرعاية المرضى بعد خروجهم من المستشفى وعودتهم لبيوتهم. وبعدين قال جملة خلت جسمي كله يتجمد:

«لسنين، كنت…» وسكت لحظة. وبص ناحية القاعة. ثم قال: «كنت فاكر إن أهم حاجة في الطب هي إنك تنقذ حياة المريض جوه المستشفى… لحد ما عرفت مين الشخص اللي وقف ورا كل اللي أنا وصلت له.» أنا بصيت لنادر. وبعدين بصيت لأمي. ولأختي. ولأول مرة من 9 سنين… شفت الخوف الحقيقي في عيونهم. لأنهم كانوا على وشك يعرفوا الحقيقة كاملة. الحقيقة اللي جدتي حاولت تقولها لي من سنين… والسر اللي أخفته عيلتي عني وعن العالم كله.

أكيد دي تكملة القصة كاملة بنفس الأسلوب التشويقي، مع كشف سر الجدة في النهاية: الكتابة نادر سكت ثواني، والقاعة كلها كانت مستنية يكمل. وبعدين رفع عينه ناحية أمي. وقال: «الشخص اللي وقف ورا المنحة دي… مش شركة نورث لايت بس.» أمي بلعت ريقها. نادر كمل: «المنحة دي اتعملت تكريمًا لممرضة اسمها عديلة مراد.» وشفت أمي بتبص لكاميليا. كاميليا وشها اصفر. نادر قال: «بس اللي ما تعرفوش إن الست دي ما كانتش مجرد ممرضة عادية.»

سكت. وبعدين بصلي مباشرة. «كانت جدتي؟» اتصدمت. نادر ابتسم وقال: «لا… كانت جدتك إنتِ يا مريم.» القاعة كلها بدأت تهمس. كاميليا قالت بسرعة: «نادر، كفاية.» لكنه ما سكتش. قال: «أنا عرفت اسم مريم من ملفات المنحة. ولما سألت عن علاقتها بعديلة، عرفت إنها حفيدتها.» بص لأمي وقال: «لكن الغريب إن كل مرة كنت أسأل عن مريم، كنتوا بتقولولي إنها سافرت ومفيش علاقة بينها وبين العيلة.» أمي قالت بتوتر: «إحنا عيلة وعارفين مصلحتنا.»

نادر هز راسه. «لا… إنتوا كنتوا خايفين.» كاميليا قربت منه: «خايفين من إيه؟» نادر رد: «من الحقيقة.» وبعدين شغل تسجيل على شاشة القاعة. صوت قديم خرج من السماعات. صوت ست كبيرة، ضعيف لكنه واضح. صوت جدتي. قلبي اتقبض. كانت الرسالة اللي احتفظت بيها 5 سنين. لكن المرة دي… سمعتها كاملة. «مريم يا حبيبتي… أنا جدتك عديلة.» نفسي اتقطع. «لو سمعتي الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مشيت.» دموعي نزلت من غير ما أحس.

«أنا حاولت أقولك الحقيقة يوم ما خرجتي من البيت.» الصوت سكت لحظة. «بس الحقيقة إن البرواز رقم 12 اللي أمك قالتلك عليه… ماكانش مستني شهادة طب.» رفعت عيني ناحية الحيطة اللي في القاعة. نادر كمل التسجيل. «أنا اللي طلبت من جدك زمان إن يبقى عندنا مكان لكل حد يضيف حاجة حقيقية للعيلة، مش شرط تكون شهادة دكتور.» اتسمرت مكاني. «لكن بعد ما أبوكي استلم إدارة المستشفى، هو وإخواته غيروا النظام كله.»

صوت جدتي ارتعش. «بقى كل حاجة لازم تحمل لقب دكتور مراد.» ثم قالت: «وأمك كانت أكتر واحدة مصممة إنك تدخلي طب.» بدأت أفهم. «ولما رفضتي، حصلت مشكلة كبيرة.» سكتت جدتي ثواني. «لأن أبوكي كان ناوي يبيع جزء من المستشفى لشركة كبيرة.» نادر وقف التسجيل. وقال: «وده الجزء اللي محدش يعرفه.» كل العيون اتوجهت ليه. قال: «عديلة كانت رافضة البيع.» بص لأمي وأبويا اللي كان واقف بعيد. «لأن العقد كان هيقفل قسم الرعاية المنزلية بالكامل.»

بدأت الهمهمات تعلى. نادر كمل: «عديلة كانت شايفة إن المرضى كبار السن وذوي الاحتياجات مش أرقام في ملف.» بصلي. «وعشان كده، قبل وفـ,ـاتها، حطت جزء من مدخراتها في صندوق مستقل.» أنا همست: «صندوق؟» يوسف بصلي. نادر قال: «الصندوق ده كان فيه شرط واحد.» سكت. «يُستخدم لتأسيس مؤسسة للرعاية المنزلية، بشرط إن المؤسسة تكون تحت إدارة حفيدتها مريم.» حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. أمي صرخت: «ده مستحيل!» نادر رد بهدوء:

«مش مستحيل.» طلع ملف. «لأن المستندات كلها موثقة.» وبعدين قال الجملة اللي قلبت القاعة: «نورث لايت اتأسست من فلوس عديلة.» بصيت ليوسف. قال لي: «أنا كنت عارف.» اتصدمت. «إنت كنت عارف؟» قال: «عرفت من سنتين، لما راجعت أوراق برنامج المنحة.» سألته: «ليه ماقولتليش؟» قال: «لأن جدتك كانت كاتبة شرط واضح.» طلع ورقة. «مريم لازم تعرف الحقيقة بنفسها… لما تكون مستعدة.» دموعي نزلت. وفجأة أمي قالت: «هي ما كانتش تستحق!» القاعة سكتت.

بصيت لها. قالت بعصبية: «عديلة كانت عايزة تعاقبنا!» نادر هز راسه. «لا.» وقال: «هي كانت عايزة تصلح اللي إنتوا بوظتوه.» كاميليا كانت واقفة مش قادرة تتكلم. بصيت لها وقلت: «إنتِ كنتِ عارفة؟» دموعها نزلت. «كنت عارفة إن فيه فلوس اتسابِت باسمك.» سألتها: «ومنعتِني أعرف؟» قالت: «أمي قالتلي لو رجعتي، هتخربي كل حاجة.» ابتسمت بحزن. «يعني بعد 9 سنين… لسه أنا المشكلة؟» كاميليا ما ردتش. نادر قرب مني. وقال: «مريم، أنا مش واقف هنا عشان أحرج عيلتك.»

ثم ابتسم. «أنا واقف عشان أقولك إن حياتي المهنية كلها اتغيرت بسبب قرارك.» سكت لحظة. «لو ما كانتش نورث لايت موجودة، ماكنتش أخدت المنحة.» ثم قال: «ولو ماكنتيش اخترتي التمريض، آلاف المرضى ماكانوش هيلاقوا حد يرعاهم بعد ما يخرجوا من المستشفى.» بصيت ناحية الحيطة. وتخيلت البرواز الفاضي. البرواز اللي كنت فاكرة إنه إهانة. طلع طول السنين مستني حاجة أكبر من شهادة. مش شهادة طب. لكن قصة حياة. يوسف مسك إيدي.

وقال: «تحبي نمشي؟» بصيت لعيلتي. لأول مرة ماحسيتش إني محتاجة أشرح نفسي. قلت: «لا.» يوسف استغرب. ابتسمت. «المرة دي… أنا هكمل للآخر.» طلعت على المسرح. وأخدت الميكروفون. وقلت: «أنا مريم مراد.» سكت القاعة. «وأنا فعلًا مش دكتورة.» بصيت لأمي. «بس أنا عمري ما كنت أقل من حد.» ثم بصيت لكاميليا. «ولا التمريض كان فشل.» اتنفست بعمق. «أنا اخترت حاجة كنت مؤمنة بيها.» ثم قلت: «وجدتي عديلة كانت أول شخص يصدقني.»

صفقت إيد واحدة من آخر القاعة. وبعدين إيد تانية. وفجأة القاعة كلها بدأت تصفق. ما بصيتش لأمي. ولا لأختي. بصيت ليوسف. ولأول مرة من 9 سنين، حسيت إن البرواز رقم 12 اتحط في مكانه. مش على الحيطة. جوايا. بعد الفرح بأسبوع، روحت بيت عيلتي القديم. وقفت قدام الحيطة. لقيت الـ11 شهادة زي ما هي. لكن البرواز رقم 12 كان لسه فاضي. أمي كانت واقفة ورايا. قالت: «هتحطي فيه إيه؟» بصيت لها.

وقلت: «ولا حاجة.» استغربت. قلت: «مش محتاجة برواز يثبت أنا مين.» ومشيت. بعدها بشهر، افتتحت أكبر مركز تابع لنورث لايت. وعلقت على المدخل لوحة واحدة: «إلى عديلة مراد… الممرضة التي علمتني أن رعاية الإنسان ليست أقل من إنقاذه.» وفي يوم الافتتاح، وصلتني رسالة من كاميليا. فتحتها. كان مكتوب فيها: «أنا آسفة.» وتحتها: «لو كنتِ لسه قابلة… نفسي أبدأ أعرف أختي من جديد.» فضلت ماسكة الرسالة وقت طويل. وبعدين رديت: «المسامحة مش معناها إن اللي حصل ماحصلش.»

«بس ممكن معناها إننا مانخليش اللي حصل يحدد باقي عمرنا.» بعد أسبوع، قابلتها. لأول مرة من 9 سنين. من غير أمي. ومن غير أبويا. ومن غير شهادات. مجرد أختين قاعدين على ترابيزة صغيرة. وساعتها فهمت أخيرًا الجملة اللي جدتي ماقدرتش تكملها يوم طردوني: «إنتِ عمرك ما كنتِ الأقل… إنتِ كنتِ أول واحدة في العيلة فهمت إن قيمة الإنسان مش مكتوبة على شهادة.» ومن يومها… ماعدتش أبص للبرواز رقم 12 كحاجة ناقصة.

لأني عرفت إن بعض البراويز… بتفضل فاضية طول العمر، لحد ما صاحبها يكتشف إن أكبر إنجازاته مش محتاجة تتعلق على حيطة أصلًا.واللي محدش فيهم كان متخيل إن صاحب الفضل الحقيقي هيقف قدامهم يوم فرح أختي…

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى