دار أيتام الجزء الثاني: الملف الأسود ياسين فضل واقف مكانه ثواني، وهو شايل صوفيا بين دراعاته، وعينيه ثابتة على الست العجوزة. قال بصوت منخفض لكنه كان مليان غضب: — «إنتي مين؟ وإيه اللي تعرفيه عن مراتي؟» الست حطت الملف على الترابيزة، وقالت: — «اسمي عايدة… وكنت الممرضة اللي كانت مع نور في المستشفى يوم الحادثة.» أول ما سمِع اسم المستشفى، وش ياسين اتغير. — «نور ماتت قدامي… أنا شفت تقرير الوفاة بنفسي!»
عايدة هزت راسها: — «التقرير اللي شوفته كان مزور.» سكت المكان كله. صوفيا كانت ماسكة في بدلة ياسين وبتبص له بخوف، فقال لها: — «ماتخافيش يا حبيبتي… أنا مش هسيبك تاني.» وبعدين فتح الملف. أول ورقة كانت صورة أشعة. وتحتها مكتوب: “المريضة: نور عبدالسلام — حامل في الشهر الثامن.” إيد ياسين بدأت تترعش. — «يعني… نور كانت عايشة؟» عايدة ردت: — «أيوه.» قلبه وقف للحظة. قلب الصفحات بسرعة، لحد ما لقى ورقة بتاريخ يوم الحادثة.
كان فيها اسم طبيب، وتوقيع، وملاحظة مكتوبة بخط اليد: “تم نقل المريضة إلى غرفة سرية بناءً على تعليمات خاصة.” ياسين رفع عينيه: — «مين أصدر التعليمات؟» عايدة بصت له في عينه وقالت: — «أخوك.» الصدمة كانت أقوى من أي حاجة. — «أخويا؟!» — «أيوه… فارس.» فارس، أخوه الأصغر، كان الشخص الوحيد اللي ياسين وثق فيه بعد وفاة نور. هو اللي كان واقف جنبه في الجنازة. هو اللي ح.ضنه وقال له:
“نور وابنك راحوا… بس أنا جنبك.” ياسين ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع. — «فارس؟ مستحيل.» عايدة أخرجت تسجيلًا قديمًا من الملف. — «اسمع بنفسك.» شغلت التسجيل. وصوت فارس ظهر واضح: “الراجل لازم يفضل فاكر إن مراته وبنته ماتوا. لو نور فاقت، كل حاجة هتضيع.” ياسين اتجمد. وبعدها صوت رجل تاني: “والطفلة؟” فارس رد: “تتاخد على دار أيتام. محدش يعرف إنها بنت ياسين. وأنا هتكفل بكل المصاريف… المهم تختفي.” انقطع التسجيل.
ياسين حس إن نفسه اتقطع. بص لصوفيا. ثم قال: — «ليه؟ ليه يعمل كده؟» عايدة فتحت آخر جزء من الملف. وكانت فيه عقود وشركات وتحويلات بنكية. قالت: — «لأن يوم الحادثة كان فيه وصية جديدة من نور.» ياسين سأل: — «وصية؟» — «نور كانت اكتشفت إن في حد بيسرق من شركاتك بملايين. وكانت ناوية تقول لك كل حاجة.» قلب ياسين اتقبض. — «مين؟» عايدة أشارت إلى اسم في الأوراق. فارس السيوفي.
ياسين وقع على الكرسي. كل السنين اللي عاشها وهو فاكر إن أخوه سند… طلعت كذبة. لكن الصدمة الأكبر كانت لسه. عايدة قالت: — «نور ما ماتتش يوم الحادثة.» ياسين وقف فجأة: — «أمال راحت فين؟!» الست سكتت. وبصت لصوفيا. ثم قالت: — «آخر مرة شوفتها كانت بعد الحادثة بست شهور.» ياسين قرب منها: — «فين؟» عايدة همست: — «في مستشفى خاص… وكانت بتسأل عن بنتها.» ياسين حس إن قلبه هينفجر.
— «يعني نور كانت عايشة بعد ولادة صوفيا؟» عايدة أومأت. — «وعاشت.» سكتت لحظة، ثم أضافت: — «لكنها اختفت بعد كده.» ياسين صرخ: — «اختفت إزاي؟!» عايدة فتحت ظرفًا صغيرًا كان مخبأ داخل الملف. طلعت منه صورة حديثة نسبيًا. صورة لامرأة من الخلف، واقفة قدام بوابة مستشفى. ياسين قرب الصورة من عينه. حتى من الخلف عرفها. نفس وقفة نور. نفس شعرها. نفس السلسلة اللي كان هو جايبهالها. إيديه بدأت ترتعش.
وعلى ظهر الصورة كانت جملة واحدة: “لو عايز تعرف نور فين… دور على الشخص اللي كان بيزور صوفيا كل شهر.” ياسين بص لصوفيا. — «مين كان بيزورك يا حبيبتي؟» البنت فكرت شوية، وبعدين قالت: — «راجل كبير… كان بيجيبلي شوكولاتة، وكان دايمًا يقول لي إن بابا مش هييجي.» ياسين سأل: — «وشكله عامل إزاي؟» صوفيا رسمت بإيدها شكل شنب طويل. وبعدين قالت: — «وكان بيناديه عمو فارس.» ياسين غمض عينيه.
دلوقتي فهم. فارس مش بس خبّى الحقيقة. فارس كان بيراقب صوفيا طول الخمس سنين. لكن ليه؟ وليه نور اختفت؟ وفي اللحظة دي، موبايل ياسين رن. رقم مجهول. رد. جاله صوت امرأة مبحوح: — «ياسين…» تجمد مكانه. الصوت كان مألوفًا لدرجة إن قلبه عرفه قبل عقله. — «مين؟» الصوت رد: — «أنا نور.» ياسين مقدرش يتكلم. دموعه نزلت لأول مرة من ثماني سنين. — «نور؟!» قالت: — «خد بنتنا وابعد عن فارس… هو عرف إن صوفيا ظهرت.»
ياسين شد صوفيا لصدره. — «إنتي فين؟!» نور قالت بسرعة: — «مش مهم أنا فين… المهم إن عندك ساعتين بس.» — «ساعتين ليه؟» سكتت نور لحظة. ثم قالت: — «لأن فارس مش هو العقل المدبر.» ياسين اتجمد. — «يعني إيه؟» قالت: — «فارس كان مجرد أداة.» — «أداة لمين؟!» قبل ما ترد… اتسمع صوت خبطة قوية. وبعدين نور صرخت: — «ياسين… اوعى تثق في—» وانقطع الاتصال. ياسين بص للموبايل في رعب.
وفي نفس اللحظة، واحد من رجال الأمن دخل يجري: — «يا أستاذ ياسين… في مشكلة.» — «إيه؟» — «الكاميرات سجلت عربية خرجت من الدار من عشر دقايق.» — «مين كان فيها؟» الرجل بلع ريقه وقال: — «فارس السيوفي.» ياسين ابتسم ابتسامة باردة. وبص لصوفيا وقال: — «خلاص يا بنتي… اللعبة انتهت.» ثم أخذ الملف، واتجه للباب. لكن قبل ما يخرج، لاحظ ورقة صغيرة كانت واقعة أسفل الكرسي. رفعها. كانت مكتوبة بخط نور.
قرأ أول سطر… فتغيرت ملامحه بالكامل: “ياسين… لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى لازم تعرف الحقيقة عن اللي حصل في الحادثة…” وتحتها جملة واحدة: “أنا كنت عارفة إن فارس هيحاول يق.تلني… لكني ماكنتش عارفة إن الشخص اللي طلب منه كده موجود في بيتك من سنين.” ياسين رفع عينيه بصدمة. ثم نظر حوله. لأول مرة، شك في كل شخص كان قريبًا منه. لكن مين الشخص اللي نور كانت تقصده؟ ومين اللي كان بيحرك فارس من البداية؟
والأخطر… هل نور فعلًا محتجزة؟ ولا هي نفسها كانت بتخفي سرًا عن ياسين طوال السنين؟ في الليلة دي، ياسين قرر إنه مش هيدور على الحقيقة بس… هيهدم الإمبراطورية كلها لو الحقيقة كانت مستخبية