أنا و جوزى فى الغربه رامي كان واقف قدامي بيتكلم كأنه صاحب الشقة من زمان، وخطيبته بتبص على العفش من ورا الزجاج وبتبتسم. أنا بصيت لهادي وقلت له بهدوء غريب: “يعني أنت خلصت كل حاجة من ورايا؟” هادي اتنهد وقال: “يا منار، متكبريش الموضوع. دي شقة واحدة، وأخوكِ لو كان مكانك كنتِ هتعملي إيه؟” ضحكت بسخـ,ـرية: “أخويا؟ أخويا عمره ما أخد مني جنيه من ورا جوزي، ولا عمري شقيت عشان أبني له مستقبل.”
رامي اتدخل وقال: “يا مرات أخويا، هو إنتِ زعلانة عشان الشقة؟ خلاص اعتبريها فلوس اتدفعت في صلة الرحم.” بصيت له وقلت: “إنت آخر واحد تتكلم عن صلة الرحم.” هادي اتعصب: “منار! كفاية إحراج. رامي أخويا، والشقة أنا اللي قررت أديهاله.” طلعت من شنطتي ملف صغير وحطيته قدامه. قلت: “حلو قوي… بس قبل ما تدي حاجة، كان لازم تعرف أنت بتدي إيه بالظبط.” هادي بص للملف باستغراب: “إيه ده؟” قلت: “فواتير التحويلات اللي كنت ببعتها لك طول سنين الغربة.”
فتح الملف، وبدأ يقلب في الورق. “دي فلوس إيه؟” رديت: “نص تمن الشقة.” سكت. كملت: “ودي كمان… مصاريف التشطيب، ودي تمن المطبخ، ودي الأجهزة. كل حاجة كنت بدفع نصها من مرتبي.” رامي قال بسرعة: “بس الشقة باسم هادي!” بصيت له وقلت: “والفلوس اللي اتدفعت فيها كانت باسم مين؟” هادي بدأ يتوتر. وفجأة رامي قال: “يا هادي متسمحش لها تعمل مشكلة يوم فرحي!” هنا فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد هدية.
قلت لهادي: “إنت مش عايز تديهاله عشان خطوبته… إنت كنت مخطط من زمان.” هادي سكت. وسكوته كان أوضح من أي اعتراف. دخلت الشقة القديمة، حطيت شنطتي على الأرض، وقلت لهادي: “أنا مش هنام هنا.” قال: “هتروحي فين؟” رديت: “مش عارفة… بس أكيد مش المكان اللي أنت قررت تحطني فيه من غير ما تاخد رأيي.” ومشيت. قضيت الليلة عند واحدة صاحبتي، وأنا مش قادرة أنام. فضلت أسأل نفسي: ليه هادي عمل كده؟ وليه رامي كان واثق إن الشقة بقت بتاعته؟
تاني يوم الصبح، كلمت محامي كنت أعرفه عن طريق واحدة صاحبتي. حكيت له كل حاجة، وبعت له صور الأوراق. بعد ساعات اتصل بيا وقال: “منار، محتاجة تيجيلي ضروري.” روحت له، ولما دخلت مكتبه، حط قدامي ورقة وقال: “إنتِ متأكدة إنك ماوقعتيش على تنازل عن الشقة قبل كده؟” قلت: “أبدًا.” قال: “طيب شوفي الورقة دي.” مسكتها… واتجمدت مكاني. كان فيها توقيع باسمي! لكن أنا عمري ما شفت الورقة دي في حياتي.
قلت: “التوقيع ده مش توقيعي.” المحامي بص لي وقال: “أنا كنت متوقع إنك تقولي كده… عشان كده طلبت من خبير خطوط يراجـ,ـعها.” سكت شوية وبعدين قال: “التوقيع مزـ,ـور.” حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. قلت: “يعني إيه؟” قال: “يعني حد حاول يعمل تنازل عن حقك في الشقة.” رجعت البيت القديم وأنا مصممة أعرف الحقيقة. لكن قبل ما أدخل، لقيت هادي واقف مستنيني. قال: “إنتِ رحتي لمحامي؟” بصيت له بثبات: “أيوه.”
وشه اتغير. قلت: “عايز تعرف ليه؟ عشان اكتشفت إن في حد زور توقيعي.” هادي فضل ساكت. وهنا لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه. قلت: “إنت كنت تعرف؟” قال: “منار، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.” صرخت: “أمال زي إيه؟!” رد بصوت منخفض: “رامي عليه ديون كبيرة… والشقة كانت الضمان الوحيد اللي ممكن ينقذه.” قلت: “فبعت شقتي عشان تسدد ديونه؟!” هادي قال: “أنا مكنتش ناوي أبيعها… كنت ناوي أديهاله مؤقتًا.”
ضحكت من شدة الصدمة: “مؤقتًا؟! يعني أنا أرجع من الغربة ألاقي بيتي راح، وبعدها تقول لي مؤقتًا؟!” لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. في نفس اللحظة، تليفون هادي رن. بص للشاشة، وشه اصفر. قلت: “مين؟” قال: “البنك.” رد على المكالمة، وبعد ثواني قفل وهو ساكت. سألته: “في إيه؟” قال: “الحساب اتجمد.” قلت: “ليه؟” ما ردش. دخلت جوا، وفتحت اللاب توب القديم اللي كنت براجع عليه تحويلاتي. لقيت حاجة غريبة. كل التحويلات اللي كنت ببعتها لهادي كانت داخلة على حساب مش باسمه.
الحساب كان باسم… رامي. هنا حسيت إن كل حاجة بدأت تتكشف. رامي مكانش عايز الشقة عشان يتجوز. رامي كان عايز الشقة عشان يهـ,ـرب من الديون اللي عليه. والأخطر… إن هادي كان شريك معاه في الموضوع. واجهته بالحقيقة. هادي انهار وقال: “أنا غلطت يا منار… بس والله ما كنت عايز أخسرك.” قلت: “إنت خسرتني أول ما قررت تاخد تعبي وتحطه في إيد أخوك.” وبالفعل، المحامي بدأ الإجراءات، والتنازل المزور اتوقف قبل ما يتم تسجيله.
أما رامي، فلما عرف إن الخطة فشلت، اختفى يومين. وبعدها رجع يطلب مني السماح. قال: “حقك عليا يا منار.” قلت له: “أنا مش هسامحك دلوقتي… يمكن بعد سنين، ويمكن أبدًا. لكن حقي هاخده بالقانون.” أما هادي… فكان أصعب قرار في حياتي. أنا مقدرتش أنسى إنه وقف ضدي، رغم إني كنت شريكته في كل جنيه اتصرف على الشقة. لكن قبل ما آخد قراري، عملت حاجة واحدة: رجعت للشقة الجديدة. وقفت في وسط الصالة، وبصيت على كل ركن كنت أنا اللي اخترته.
وقلت لنفسي: “المكان ده اتبنى بشقاي… ومحدش هياخده مني.” وبعد فترة، تم إثبات حقي رسميًا، واتلغى أي إجراء اتعمل من غير موافقتي. أما علاقتي بهادي… فما انتهتش في يوم وليلة. قلت له: “لو عايز تكمل معايا، لازم تفهم إن الجواز شراكة… مش إن واحد يقرر والتاني ينفذ.” هادي وافق، وبدأ يصلح اللي كسره. لكن رامي؟ بعد شهور، وصلني منه ظرف. فتحته… لقيت فيه ورقة واحدة مكتوب عليها: “لو عايزة تعرفي مين اللي زور توقيعك… اسألي هادي عن اللي حصل قبل ما تنزلوا مصر.”
اتجمدت وأنا بقرأ الجملة. لأن الورقة كانت معناها إن اللي عرفته لحد دلوقتي… لسه مش الحقيقة كاملة.