منوعات

جوزى بيضـ,ـربنى

جوزى بيضـ,ـربنى الجزء الثاني والأخير الخط بدأ يرن… مرة. مرتين. تلات مرات. حسام كان واقف مكانه، لكن وشه اتغير أول ما سمع صوت الرنين. الممرضة بصت للشاشة وقالت: — «ألو؟» جاله صوت ست من الناحية التانية: — «أيوه، مين؟» الممرضة قالت: — «حضرتك قريبة ندى؟» سكت الصوت ثواني، وبعدين قالت الست بلهفة: — «أيوه… أختها. ندى حصلها إيه؟! أنا بقالي شهور بحاول أوصل لها!» حسام اتحرك ناحية الباب. — «اقفلي التليفون.»

الممرضة تجاهلته، وسألت: — «حضرتك تقدري تيجي المستشفى حالًا؟» ردت أختي: — «أنا جاية.» حسام قرب مني، وعينيه مليانة غضب. — «إنتِ عملتي إيه؟» لأول مرة ما خفتش منه. بصيتله وقلت: — «عملت الحاجة الوحيدة اللي ماقدرتش تعملها طول السنين… طلبت مساعدة.» خرج من الأوضة وهو بيخبط الباب وراه. بعد أقل من ساعة، دخلت أختي. أول ما شافتني، حطت إيدها على بوقها ودموعها نزلت من غير ما تتكلم. قربت مني ومسكَت إيدي.

— «ليه يا ندى؟ ليه ما قولتيليش؟» بصيتلها ودموعي نزلت. — «كان بيقوللي لو اتكلمت، هيحرمني منك… وكنت مصدقاه.» حضنتني بحذر، وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن في حد واقف في ضهري. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. دخلت الدكتورة ومعاها ملف كبير. حطته على الترابيزة وقالت: — «أنا طلبت نراجع كل التقارير الطبية القديمة اللي موجودة في ملفها.» أختي سألتها: — «ولقيتوا إيه؟» الدكتورة فتحت الملف. — «ندى كانت بتحمل فعلًا.»

سكتت لحظة، وبعدين كملت: — «وفي كل مرة كان الحمل بينتهي قبل اكتماله.» بصيت للدكتورة وأنا مش مستوعبة. — «يعني… العيب ماكانش فيا؟» هزت راسها. — «لا. ومفيش في التقارير ما يثبت إنها كانت غير قادرة على الإنجاب.» أختي بصتلي وقالت: — «يعني كل السنين دي كان بيكدب عليكي؟» الدكتورة ردت: — «الأسوأ إن الإصـ,ـابات المتكررة اللي تعرضت لها كانت ممكن تكون سببًا في فقدان الحمل أكثر من مرة. لكن إحنا محتاجين نثبت ده طبيًا من خلال التقارير والفحوصات.»

حسيت إن السنين كلها وقعت فوق دماغي مرة واحدة. كل مرة كنت ببكي وألوم نفسي… كل مرة كان يقولي: «إنتِ السبب.» «إنتِ جسمك مش طبيعي.» «إنتِ مش نافعة تكوني أم.» طلع هو اللي كان بيهدم كل فرصة للحياة. في نفس اللحظة، دخلت موظفة من إدارة المستشفى ومعاها اتنين من أفراد الأمن. قالت: — «حضرتك ندى؟» هزيت راسي. — «في بلاغ اتفتح بسبب الاشـ,ـتباه في إن الإصابة مش حـ,ـادث.» حسام كان واقف بعيد، وسمع الكلام.

صرخ: — «دي مراتي وأنا المسؤول عنها!» الموظفة ردت بهدوء: — «مش دلوقتي.» اقترب منه أحد أفراد الأمن وقال له: — «لو سمحت استنى بره.» حسام حاول يضحك. — «هي بتحاول تلبسني قضية!» لكن الدكتورة رفعت الملف وقالت: — «إحنا مش بنتهم حد. إحنا بنوثق حالة مريضة قالت إن إصابتها لم تكن حـ,ـادثًا.» سكت. لأول مرة ما لاقاش جملة جاهزة يهرب بيها. بعدها بدأت التحقيقات. وأختي قدمت رسائل قديمة كان حسام بيبعتها لها من رقم مجهول، بيقول فيها إن ندى مش عايزة تشوفها.

وقدمت صورًا قديمة ليا قبل ما يمنعني من التواصل مع عيلتي. والأهم… المستشفى طلبت السجلات الطبية السابقة. وهنا ظهرت الحقيقة كاملة. في كل مرة كنت بحمل فيها، كان بيحصل فقد للحمل بعد فترة قصيرة. وفي بعض الملفات كان مكتوب: «إصابات متكررة أثناء الحمل.» الدليل اللي كان ناقصنا كان موجودًا من سنين… لكن محدش سألني وقتها السؤال الصح. بعد أيام، خرج حسام من المستشفى للتحقيق. وأنا فضلت تحت العلاج. كنت فاكرة إن أصعب حاجة هي الألم.

لكن اكتشفت إن أصعب حاجة هي إن الإنسان يصدق إنه ما يستحقش حياة أفضل. أختي كانت كل يوم تقعد جنبي وتقول: — «إنتِ مش ضعيفة يا ندى… إنتِ كنتِ لوحدك.» والفرق كبير. بعد أسابيع، بدأت أتحسن. وفي أول يوم قدرت أقف فيه قدام المراية، بصيت لنفسي طويل. ماعرفتش الست اللي قدامي. لكن للمرة الأولى… ماكرهتهاش. قلت لنفسي: — «أنا نجيت.» وبعد فترة، وصلتني نتيجة التحقيقات. حسام اتواجه بالأدلة والتقارير وشهادة الأطباء، والقضية دخلت مسارها القانوني.

والأهم إن التهمة ما بقتش مجرد «حـ,ـادث في المطبخ». بقى فيه ملف كامل عن سنوات من الإيذاء والسيطرة والعزل والتسبب في إصابات متكررة. أما أنا… فخرجت من المستشفى إلى بيت أختي. بيت صغير. مش فخم. مش زي البيت اللي كنت عايشة فيه. لكن كان فيه حاجة أهم من كل الفلوس… الأمان. بعد شهور، كنت قاعدة في البلكونة، ماسكة كوب شاي، وأختي جنبي. قالتلي: — «بتفكري في إيه؟» ابتسمت وقلت: — «في اليوم اللي كنت فاكرة فيه إني فقدت كل حاجة.»

سألتني: — «ودلوقتي؟» بصيت للسما وقلت: — «اكتشفت إني ما فقدتش حياتي… أنا استردتها.» سكتنا شوية. وبعدين حطيت إيدي على بطني. مش لأن فيه حمل… لكن لأن المكان ده كان لسنين بالنسبة لي رمز للخوف والذنب. ابتسمت. وقلت: — «أنا مش هقضي باقي عمري ألوم نفسي على حاجات هو اللي عملها.» أختي مسكت إيدي. — «وإيه أول حاجة هتعمليها؟» ضحكت. — «هتعلم أعيش من غير خوف.» ومرت الأيام. ندى بدأت تتعافى، وبدأت جلسات دعم نفسي، ورجعت تتواصل مع الناس اللي اتحرمت منهم.

وبعد سنة تقريبًا، كانت واقفة قدام مجموعة ستات بتحكي تجربتها. واحدة منهم سألتها: — «إنتِ ندمانة إنك اتكلمتي؟» ندى ابتسمت وقالت: — «ندمت إني سكت كل السنين دي.» وبعدين بصت لهم وقالت: — «أكتر كذبة صدقتها كانت إني لوحدي… لأن أول ما طلبت المساعدة، اكتشفت إن فيه ناس مستعدة تمد إيدها ليا.» وسكتت لحظة. ثم قالت: — «لو حد بيأذيك ويقنعك إنك تستحقي الأذى… صدقي حاجة واحدة
بس: إنتِ مش السبب.»

ومن يومها… ما بقتش ندى «الست اللي جوزها كان بيقول إنها مش بتخلف». بقت ندى… الست اللي نجت، واتكلمت، وبدأت حياتها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى