الصعيد الجوانى
الفصل الثالث
فضلت خديجة واقفة مكانها، والكوباية وقعت من إيدها واتكسرت على أرض المطبخ.
الكلام اللي سمعته كان كفيل يوقف قلبها.
“نخلص من حازم… زي ما خلصنا من سليم.”
الجملة كانت بتتردد في ودانها كأنها صدى.
سليم… مـ,ـات فعلًا؟
ولا اتقـ,ـتل؟
رجعت خطوة لورا من غير صوت، لكن رجلها خبطت في طبق نحاس صغير وقع على الأرض.
وفاء اتلفتت بسرعة.
ـ مين هناك؟
خديجة جريت قبل ما حد يشوفها، طلعت السلم وهي بتنهج، ولما دخلت أوضتها لقت حازم قاعد مكانه، السيجارة بين صوابعه، وعينه ثابتة عليها.
بصلها ثواني وقال:
ـ مالك؟
هزت رأسها بسرعة.
ـ مفيش.
قام وقف قدامها.
ـ وشك أصفر ليه؟
كانت نفسها تحكيله.
لكن افتكرت إن وفاء مرات عمه طول عمرها في البيت، ولو كانت بتخطط فعلًا، أكيد ليها ناس يساعدوها.
قالت بصوت مهزوز:
ـ تعبت شوية.
فضل يبصلها، وكأنه حاسس إنها مخبية حاجة.
لكنه اكتفى يقول:
ـ ارتاحي.
وفي نص الليل…
صحيت خديجة على صوت باب الأوضة بيتفتح بهدوء.
فتحت عينيها لقت حازم واقف قدام الشباك، ماسك بندقية صيد قديمة.
همست:
ـ رايح فين؟
رد من غير ما يبصلها:
ـ في ناس دخلت أرضنا.
ونزل بسرعة.
قامت وراه من الشباك تبص.
شافت عربية سوداء واقفة بعيد.
وشافت شخصين بيجروا وسط الزرع.
وفجأة…
طلع صوت طلقة.
صرخت بخضة.
لكن بعدها بدقيقة شافت حازم راجع سليم، كأنه كان بيخـ,ـوفهم بس.
تاني يوم…
البلد كلها كانت بتتكلم.
حد حاول يسـ,ـرق مخزن الغلال.
لكن الغريب إن حازم كان عارف قبلها.
وده خلّى خديجة تبدأ تشك إن جوزها مخبي أسرار أكبر بكتير.
بعد يومين…
كانت بتنضف أوضة قديمة في البيت.
ولما زحزحت الدولاب الخشب، لقت باب صغير مستخبي وراه.
فتحته.
كان فيه صندوق حديدي قديم.
جواه…
ساعة سليم.
وخاتم الخطوبة اللي كان لابسُه يوم الفرح.
وكراسة جلد.
فتحت أول صفحة.
واتجمدت.
كان مكتوب بخط سليم:
“لو حد بيقرأ الكلام ده… يبقى أنا غالبًا مـ,ـت.”
قلبها بدأ يدق بعنف.
كملت القراءة.
“أنا عرفت مين عايز يقـ,ـتلني… ولو حصلي حاجة، متصدقوش إنها كانت حـ,ـادثة.”
دموعها نزلت.
وكملت.
“الشخص ده من العيلة.”
في اللحظة دي…
الباب اتقفل وراها.
لفت بسرعة.
ولقت حازم واقف.
بصلها للصندوق.
وبعدين قال بهدوء مخيف:
ـ كنت مستني اليوم اللي هتفتحيه فيه.
اتراجعت بخوف.
ـ إنت… كنت عارف؟
قال وهو بياخد الكراسة من إيدها:
ـ أيوه.
لأن اللي كتبها طلب مني أحافظ عليها.
اتسعت عينيها.
ـ يعني… إنت عارف مين قـ,ـتل سليم؟
سكت شوية.
وبعدين قال:
ـ لأ…
أنا عارف مين حاول يقـ,ـتله.
لكن اللي حصل يوم الفرح… كان أكبر من اللي تتخيليه.
وفي نفس اللحظة…
طلع صوت صراخ من برة البيت.
الخدامة كانت بتجري وهي بتقول:
ـ إلحقوا… علي اختفى!
خرج حازم بسرعة.
لكن قبل ما يخرج، لف ناحية خديجة وقال:
ـ من النهارده…
ممنوع تثقي في أي حد في البيت…
حتى لو كان من دـ,ـمي.
وقفت خديجة مكانها، حاسة إن كل اللي عاشته لحد دلوقتي كان مجرد بداية.
أما الحقيقة…
فكانت لسه مدفـ,ـونة تحت تراب الصعيد… ومستنية اللي يكتشفها.