منوعات

طارق وشيرين

طارق وشيرين الجمعة الجاية… الساعة اتناشر إلا ربع. دخلت البيت وأنا شايلة صينية الكنافة بإيديا، وعلى وشي نفس الابتسامة الهادية اللي خلتهم يفتكروا إني استسلمت. الحاجة إجلال بصت لي وقالت بشـ,ـماتة: — أهو العقل رجع لصاحبته. أما شيرين فكانت لابسة لبس شيك، وكأنها جاية تستلم مفاتيح البيت مش تزور أخوها. وطارق رمى قدامي الملف وقال: — يلا… امضي ونخلص. ابتسمت بهدوء وقلت: — حاضر… بس الأول نتغدى سوا زي ما اتفقنا.

استغربوا… لكن الطمع كان أكبر من الشك. قعدوا على السفرة يضحكوا ويهزروا، وكل واحد فيهم بيخطط هيعمل إيه في البيت بعد ما يبقى باسم شيرين. بعد عشر دقائق… رن جرس الباب. طارق اتضايق وقال: — مين اللي جاي دلوقتي؟ قلت وأنا بشرب كوباية الميه: — أنا اللي عزمته. فتح الباب… دخل الأستاذ رفعت المحامي… ومعاه راجلين شيك لابسين بدل، وواحد منهم قال وهو بيطلع كارنيهه: — أنا مأمور تنفيذ المحكمة.

الابتسامة اختفت من وشوشهم كلهم. طارق وقف بعصبية: — تنفيذ إيه؟ الأستاذ رفعت حط الملف على الترابيزة وقال بهدوء: — قبل أي بيع… لازم الناس تعرف الحقيقة. فتح الملف. طلع نسخة من عقد البيع المزور اللي أسماء صورته من البرنتر. وطلع كشف حساب البنك. وطلع تسجيل صوت. ضغط تشغيل… وفجأة سمعوا صوت طارق وهو بيقول لأخته: “هنكتب البيت بأربعة مليون ونص… والفلوس أصلاً من حسابنا المشترك… يعني هي اللي هتشتري بيتها بنفسها.”

شيرين ابيض وشها. الحاجة إجلال اتلخبطت وقالت: — التسجيل ده مفبرك. ابتسم الأستاذ رفعت وقال: — للأسف… التسجيل متاخد من جهاز تسجيل قانوني موجود في مكتب صاحبة البيت… وتم تفريغه بمعرفة خبير معتمد. طارق بدأ يعرق. لكن الصـ,ـدمة الحقيقية لسه ماجتش. الأستاذ رفعت أخرج ظرفًا أصفر. وقال: — والد المرحومة أسماء كان راجل قانون… وكان متوقع إن حد يطمع في بنته. فتح الظرف. وفيه عقد هبة موثق. البيت بالكامل باسم أسماء وحدها… ومعاه شرط واضح جدًا:

“أي محاولة لإجبار المالكة على البيع أو التنازل تحت تهـ,ـديد أو إكـ,ـراه تعتبر باطلة، ويحق لها المطالبة بالتعويض الكامل.” طارق صرخ: — مستحيل! المحامي رد بهدوء: — ولسه. أخرج ورقة تانية. — دي دعوى تبـ,ـديد أموال من الحساب المشترك… لأن حضرتك حولت مبالغ من غير موافقة زوجتك. ورقة تالتة. — ودي بلاغ بالتهـ,ـديد والإكـ,ـراه. ورقة رابعة. — ودي مطالبة باسترداد قيمة الذهب اللي باعته أسماء عشان تفتح مكتبك… ومعاها شهود وفواتير.

طارق قعد على الكرسي وهو مش قادر يتكلم. أما شيرين فكانت بتبص لأخوها بصـ,ـدمة. وفجأة… رن موبايل مأمور التنفيذ. رد دقيقة… وبعدها قال: — تمام. وبص لطارق. — بالمناسبة… صدر قرار بالحجز التحفظي على المكتب لحين انتهاء التحقيقات المالية. طارق حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه. الحاجة إجلال جريت على أسماء تمسك إيديها. — يا بنتي… إحنا أهل. أسماء سحبت إيديها بهدوء وقالت: — الغريب عمره ما عمل فيا اللي عملتوه.

شيرين حاولت تعيط وقالت: — سامحينا. ابتسمت أسماء لأول مرة. — السماح لله… لكن الحقوق بتتاخد بالقانون. ثم أخرجت من شنطتها ورقة واحدة. وحطتها قدام طارق. بصلها باستغراب. كانت صحيفة دعوى طـ,ـلاق للضـ,ـرر. قالت بثبات: — البيت هيفضل بيت أبويا… وأنا كمان هرجع أبقى بنت أبويا اللي رباها على إنها متخـ,ـافش من حد. خرجت من البيت مع الأستاذ رفعت. وهي ماشية، بصت لشجرة الليمون في الحوش. لمست ورقة منها وقالت في نفسها:

“النهارده… حسيت إن أبويا وأمي رجعوا واقفين ضهري.” بعد ستة أشهر… حكمت المحكمة ببطلان كل الأوراق التي حاولوا إجبار أسماء على توقيعها. وأُلزم طارق برد نصيبها من الأموال المشتركة، وتعويضها عن الأضرار التي لحقت بها، بينما خضع للتحقيق في وقائع التهـ,ـديد والتصرفات المالية محل النزاع. أما البيت… فلم تبعه أسماء. بل رممته، وحولت الدور الأرضي إلى مركز مجاني لتعليم الأرامل والمطلقات حرفة تقدر تعيشهم بكرامة، وعلقت عند المدخل لوحة صغيرة كتب عليها:

“هذا البيت بناه أب وأم بالحلال… ولن يرث فيه الطمع شيئًا.” وكان كل من يمر أمام شجرة الليمون يشم رائحتها، دون أن يعرف أن وراءها حكاية امرأة ظن الجميع أنها انكسرت… لكنها انتصرت بالعقل والصبر والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى