سكت. وبعدين بصيت للشنط اللي كانت واقفة قدام باب الشقة. كل حاجة كانت واضحة قدام عيني. كان ممكن أطلع الورق وأخلص الموضوع في لحظتها. كل المستندات اللي تثبت الحقيقة كانت جوه البيت. لكن لسبب ما، ماعملتش. كنت عايزة أحمد نفسه يواجه اللي عمله. كنت عايزة أعرف هو هيقول إيه لما الشرطة تسأله. وبعد حوالي ربع ساعة، سمعت صوت عربية أحمد وهي داخلة الشارع. وبعدها بدقائق قليلة، عربية شرطة وقفت قدام البيت.
أحمد نزل من عربيته، وبص لأمه. وبعدين بص لأخته. وبعدين بص على الشنط المتكومة قدام الباب. وبعدين لمح عربية الشرطة. ولأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، شفت على وشه حاجة شبه الارتباك. نزل الضابط من العربية واتجه ناحيتنا. نوال جريت عليه وقالت: «الحمد لله إنكم جيتوا! مرات ابني مانعاني أدخل بيت ابني!» الضابط بص للشنط، وبعدين بص لأحمد. وسألها: «حضرتك اللي اتصلتي؟» قالت: «أيوه.» وبعدين أشارت لي وقالت: «دي مرات ابني، ومش راضية تخليني أدخل بيته.»
الضابط بص لي. كنت لسه ساكتة. وبعدين بص لأحمد، وسأله: «طيب… البيت ده ملك مين بالضبط؟» وهنا، لأول مرة، أحمد ماعرفش يرد. أكيد، وهنكمّلها بنهاية فيها كشف السر + صدمة حماتك + موقف أحمد الحقيقي من غير ما نسيب أي خيط من البداية. حماتي اتصلت بالشرطة لما رفضت أسكنها عندي الضابط كرر سؤاله: «البيت ده ملك مين بالضبط؟» أحمد بلع ريقه، وبص لأمه. نوال قالت بسرعة: «ملك ابني طبعًا! هو اللي دافع فيه، وأنا أمه.»
الضابط بص لأحمد وقال: «أنا بسألك إنت.» أحمد سكت ثواني، وبعدين قال: «البيت… يعني باسمي.» وقتها أنا اتكلمت لأول مرة: «لأ يا أحمد.» كلهم بصوا لي. طلعت من جيبي مفتاح صغير، وقلت للضابط: «لو حضرتك عايز تعرف الحقيقة، ممكن نطلع الشقة ونشوف الورق.» نوال ضحكت وقالت: «ورق إيه؟ ما هو قالك بنفسه إنها شقته!» بصيت لها وقلت: «هو قال لك كده فعلًا؟» قالت بثقة: «أيوه.» بصيت لأحمد. «قول لهم.» وشه اتغير.
الضابط قال: «نطلع نشوف المستندات.» طلعنا كلنا. أول ما دخلنا، اتجهت ناحية المكتبة وفتحت درج صغير كان أحمد عمره ما اهتم بيه. طلعت ملف بني. وحطيته قدام الضابط. فتح أول ورقة. سكت. قلب الصفحة. وسكت أكتر. نوال قربت منه وقالت: «في إيه؟» الضابط رفع عينه وقال: «العقد باسم… سارة.» نوال شهقت: «إيه؟!» منى قربت وهي مش مصدقة: «باسم سارة مين؟» الضابط رد: «باسم زوجة ابنك.» نوال بصت لأحمد كأنها مستنية منه ينكر.
«أحمد؟» أحمد ما ردش. الضابط كمل: «والملكية مسجلة باسمها من قبل الزواج.» نوال قعدت على أقرب كرسي. «يعني إيه قبل الجواز؟» بصيت لها وقلت: «يعني الشقة كانت بتاعتي قبل ما أتجوز أحمد.» سكت المكان كله. افتكرت يوم ما اتجوزنا. وقتها أحمد كان لسه بيبدأ شغله، وأنا كنت بعت جزء من دهب أمي، وكملت فلوس الشقة من مدخرات سنين. أحمد كان عارف. وعمره ما اعترض. لكن بعد الجواز، بدأ يقول للناس:
«دي شقتنا.» وبعدين مع الوقت بقت: «دي شقتي.» وأنا كنت بسكت. مش عشان مش عارفة حقي. لكن عشان كنت فاكرة إن الجواز مشاركة، وإن مش كل حاجة لازم تتحول لمعركة. نوال بصت لي وقالت: «يعني ابني عايش في بيتك؟» قلت: «إحنا عايشين في بيتنا، لأن الجواز مش منافسة ملكية.» الضابط قاطعنا: «بغض النظر عن الخلافات العائلية، مفيش حد يقدر يفرض نفسه على عقار شخص آخر لمجرد إنه قريب أو زوج ابن.»
منى بصت لأمها. وبعدين قالت: «بس أحمد قال إن الموضوع متفق عليه.» بصيت لأحمد: «أنت قلت لها إيه؟» أحمد أخيرًا اتكلم: «أنا… كنت عايز أريح أمي.» قلت: «على حسابي؟» «أنا مكنتش متخيل إنك هترفضي.» ضحكت ضحكة صغيرة من شدة الصدمة. «إنت مكنتش متخيل إني هرفض؟» سكت. كملت: «إنت مشكلتك مش إن أمك محتاجة مكان. مشكلتك إنك قررت إن احتياجها يلغي حقي في القرار.» نوال قامت فجأة وقالت: «أنا مش مصدقة! أنا كنت فاكرة إن ابني هو صاحب البيت!»
بصيت لها وقلت: «وده بالضبط اللي كان لازم أحمد يقوله لك من البداية.» الضابط جمع الأوراق وقال: «الخلاف ده عائلي ومدني، لكن طالما صاحبة العقار رفضت الإقامة، مفيش أساس إننا نفرض عليها استقبال شخص للسكن.» وبعدين بص للشنط. «والأغراض دي تتاخد.» نوال بصت لأحمد. «يعني أنا أرجع شقتي؟» أحمد نزل عينه. «ماما…» صرخت فيه: «إنت اللي قلت لي أسيب شقتي!» وهنا كانت الصدمة. بصيت لأحمد. «إنت قلت لها تسيب شقتها؟»
سكت. منى هي اللي ردت: «قال لها إن الشقة بتاعتها غالية ومش محتاجاها، وإنها هتعيش هنا.» بصيت لأحمد: «يعني إنت ما كنتش ناوي تخليها تيجي شهر ولا شهرين.» ما ردش. قلت: «كنت ناوي تنقلها هنا نهائي.» فضل ساكت. نوال بصت لابنها، وبدأت تفهم الصورة. «إنت كنت عايز تبيع شقتي؟» أحمد اتوتر. «ماما، الموضوع مش كده.» «أمال كده إزاي؟» منى بصت لأخوها وقالت: «كنت هتعمل إيه بشقتها يا أحمد؟» سكت. وهنا أنا فهمت إن فيه جزء تاني من الحكاية أنا مكنتش أعرفه.
لكن نوال هي اللي كشفته. قالت وهي بتبص لابنها: «إنت كنت بتقول لي كل أسبوع إن الشقة مصاريفها كتير، وإن الأفضل أبيعها وأحط الفلوس في البنك.» أحمد حاول يقاطعها: «كنت بخوفك عليها بس.» صرخت: «لا! إنت كنت عايز فلوسها!» الضابط بص لنا جميعًا وقال بهدوء: «الأفضل إن الخلاف ده يتاخد بعيد عن باب الشقة.» خرج الضابط. وأنا فضلت واقفة. أحمد وقف قدامي. «سارة… أنا آسف.» قلت: «الاعتذار مش المشكلة.» «أمال إيه؟»
«إنك عرفت إن البيت باسمي، وبرضه قلت لأمك إنه بيتك.» وشه احمر. «كنت خايف لو قلت لها الحقيقة ترفض تيجي.» قلت: «وده اللي كان لازم يحصل. مش لأن والدتك مش مرحب بيها، لكن لأنك كنت لازم تحترم إنها صاحبة شقة، وأنا كمان صاحبة شقة.» سكت شوية. وبعدين قال: «هتطلبي مني أخرج؟» السؤال كان أصعب من كل اللي حصل. بصيت له. «لأ.» اتنفس براحة. لكن كملت: «أنا هطلب منك حاجة أصعب.»
بص لي. «من النهارده، أي قرار يخص بيتنا يتاخد بينا إحنا الاتنين. لا أمك، ولا أختك، ولا حتى أهلي. وإنت لو مش قادر تعمل كده، يبقى لازم نقعد ونحدد إحنا عايزين نكمل حياتنا إزاي.» أحمد فضل ساكت. وفي اللحظة دي، نوال قربت مني. كنت متوقعة إنها هتهاجمني تاني. لكنها قالت بصوت واطي: «أنا ظـ,ـلمتك.» بصيت لها. قالت: «كنت فاكرة إنك واخدة ابني مني، وإن البيت بيته. ولما عرفت إنك اللي اشتريتيه… حسيت إني كنت عايشة على حكاية أحمد هو اللي بناها لي.»
قلت: «أنا مش عايزة آخد ابنك منك.» سكت. «أنا بس عايزة جوزي يعرف إن أمه حاجة، وبيته ومراته حاجة تانية.» نوال مسحت دموعها. «طيب… لو احتجت مكان يومين، هتقبلي؟» ابتسمت لأول مرة. «لو اتفقنا كلنا، أه.» هزت رأسها. «وأنا هرجع شقتي.» منى لمّت الشنط وهي ساكتة. أما أحمد، ففضل واقف مكاني. وبعد ما مشيوا، قفلت الباب. وقعدت على ترابيزة السفرة. نفس الترابيزة اللي كنت قاعدة عليها الساعة أربعة وسبعتاشر. فتحت اللابتوب.
لكن قبل ما أرجع لشغلي، وصلتني رسالة من أحمد. كانت جملة واحدة: «أنا طول عمري فاكر إن اللي يخص أمي لازم أقرره أنا… النهارده فهمت إن اللي يخص بيتي لازم أقرره مع مراتي.» قرأت الرسالة. ومردتش. لأن في حاجات الاعتذار بيبدأ يصلحها… لكن الثقة بتحتاج وقت عشان ترجع. والأهم من كل اللي حصل إن حماتي في اليوم ده اكتشفت الحقيقة: مش كل بيت ابنه يبقى بيتها… ومش كل زوجة تسكت يبقى معندهاش حق.
ومن يومها، بقى عندنا قاعدة واحدة في البيت: اللي يخص بيتنا…