منوعات

٧سنين حرمان

وصلنا العيادة، الدكتور كشف عليه ووشه اتغير، قالنا: “الولد عنده الصفرا عالية جداً، ونسبة السخونية دي خطر عليه.. لازم يرضع طبيعي وبكثافة الفترة دي من لبن الأم، لبن الأم هو اللي هيغسل جسمه ويحميه.” رجعنا البيت، وأول ما دخلنا الأوضة، كانت رايحة تشيل “محمد” تاني كأنها مسمعتش كلمة من اللي الدكتور قالها! مسكت إيدها بغيظ شديد وسحبت “محمد” منها حطيته في السرير، وقلت ونبرة صوتي حادة زي السيف: “رضعي أحمد!.. مسمعتيش الدكتور قال إيه؟!”

بصتلي وهي بتهرب بعينيها في الأوضة، وبتقول : “هرضعهم هما الاتنين.. بس هات اسكّت محمد الأول عشان مش عارفة أركز.” زعقت فيها بأعلى صوت عندي وقلت: “لا! هترضعي أحمد.. ودلوقتي قدامي!” في اللحظة دي، هي خرجت عن شعورها تماماً.. وشها اتغير وصرخت في وشي بغضب وهي بتبعد عني: “لا! لا يعني لا! مش هرضعه.. ده لبني أنا، وأنا حرة فيه!”

وقفت مذهول، الصدمة شلت لساني لجزء من الثانيه بصيت في عينيها وسألتها بصوت مبحوح : “وايه السبب يا علا ؟! ليه بتعملي كواللي سمعته منها في اللحظة دي.. كلام مستحيل يخطر على بال أم، ولا بني آدم على وجه الأرض.. كلام خلاني أقف مكاني مش قادر أستوعب، وعقلي هيطير من شدة الذهول الكتابة بصتلي علا فترة طويلة، ووشها بدأ يتهز، وبعدها قالت بصوت واطي مليان خوف: — “عشان أحمد… مش ابني!”

حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي. قلت وأنا مش فاهم: — “إيه؟! بتقولي إيه يا علا؟! ده ابنك زي محمد بالظبط!” هزت راسها بسرعة، ودموعها نزلت على خدودها: — “لأ… أحمد مش ابني. محمد ابني… أحمد اتبدل.” صرخت فيها: — “اتبدل إزاي؟! وإمتى؟!” قعدت على السرير وهي بتترعش، وقالت: — “بعد الولادة… لما كنت في غرفة الإفاقة، الممرضة دخلت عليا وقالت إن واحد من الولدين محتاج حضانة شوية، وخدته مني. وبعدها رجعولي طفل تاني. أنا وقتها كنت تعبانة ومش قادرة أركز، لكن أول ما شفت الطفل عرفت إنه مش اللي كنت شايله.”

بصيت لها وأنا مصدوم: — “طب ليه ما قلتيليش من ساعتها؟!” غطت وشها بإيديها وقالت: — “خفت منك… وخفت الناس تقول إني اتجننت بعد الولادة. فضلت ساكتة، وكل يوم كنت ببص لأحمد وأحس إنه مش ابني.” وقفت قدامها مش قادر أتكلم. لكن سؤال واحد كان بيق.تلني: — “لو كنتِ شاكّة إنه مش ابنك… ليه كنتِ بتهمليه؟” رفعت عينيها وقالت: — “كنت بحاول أقنع نفسي إنه مش ابني عشان أقدر أستحمل. كنت كل ما أقرب منه أحس إني بخون ابني الحقيقي… محمد.”

الكلام كان موجع، لكني ما قدرتش أعتبره حقيقة لمجرد إنها حست بكده. في نفس اللحظة، أخدت الولدين ونزلت بيهم المستشفى اللي اتولدوا فيها. طلبت من الإدارة مراجعة ملف الولادة، وفضلنا مستنيين ساعات طويلة. وبعد شوية، خرجت مديرة التمريض ومعاها ملفين. قالت: — “فيه حاجة غريبة فعلًا.” قلبي وقع. فتحت الملف وقالت: — “الطفلين اتسجلوا إنهم توأم، لكن فيه ملاحظة مكتوبة يوم الولادة عن طفل اتنقل للحضانة بسبب ارتفاع نسبة الصفرا.”

بصيت لعلا، لقيتها بتعيط. لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف. المديرة قالت: — “الطفل اللي دخل الحضانة خرج بعدها بنفس السوار اللي دخل بيه… مفيش أي تسجيل لعملية تبديل.” قلت بسرعة: — “يعني إيه؟!” قالت: — “يعني مفيش دليل إن الطفلين اتبدلوا.” علا انهارت في البكاء. لكن أنا ما اكتفيتش بالكلام. طلبت تحليل DNA للولدين. عدت الأيام وأنا مش قادر أنام. كنت كل ما أبص لأحمد، أحس بالذنب. طفل صغير مالوش ذنب في شك أمه، ولا في خوفها، ولا في أي حاجة حصلت.

بعد أسبوع ظهرت النتيجة. فتحت الظرف وإيدي بتترعش. قرأت أول سطر… أحمد ابن علا. قرأت السطر التاني… محمد ابن علا. الاتنين ولادنا. بصيت لعلا، ووشها اتحول من الصدمة للانهيار. وقلتلها: — “يعني كنتِ بتعاقبي ابنك على حاجة حصلت في دماغك.” لكن قبل ما ترد، الدكتور اللي كان متابع حالتها قال جملة خلتني أفهم إن الحكاية لسه ما خلصتش: — “أنا محتاج أقعد معاكم… لأن اللي حصل مع علا مش مجرد رفض رضاعة.”

بصيت له بقلق: — “يعني إيه؟” قال: — “هي محتاجة تقييم نفسي بشكل عاجل بعد الولادة. بعض الأمهات ممكن يحصل لهم اضطراب شديد يخليهم يشعروا إن طفلًا معينًا مش طفلهم، أو يبقى عندهم نفور شديد منه رغم إنه ابنهم.” بصيت لعلا، وكانت بتبكي وهي باصة لأحمد. قربت منه لأول مرة من غير ما أبعدها، وحطيته في ح.ضنها. في البداية جسمها كان متشنج. وبعدين أحمد بدأ يعيط. علا بصتله، ودموعها نزلت بغزارة، وقالت:

— “أنا آسفة يا حبيبي… ماما ظلمتك.” ومن اليوم ده بدأت رحلة علاج طويلة. ما كانتش سهلة، ولا اتصلحت في يوم وليلة. لكن علا بدأت تتعلق بأحمد تدريجيًا، وأنا وأمي بقينا جنبها، والأهم إننا ما سبناش الطفل يتحمل نتيجة مرض أمه. وبعد شهور، حصلت اللحظة اللي عمري ما هنساها. كنت داخل الأوضة، لقيت علا قاعدة على السرير، أحمد على رجلها ومحمد نايم جنبها. بصتلي وابتسمت وقالت: — “تصدق؟ كنت فاكرة إن قلبي هيحب واحد فيهم بس.”

ضحكت وقلت: — “والدلوقتي؟” بصت للاتنين، وضمتهم لصدرها وقالت: — “دلوقتي عرفت إن قلب الأم مش بيتقسم… القلب بيكبر.” ومن يومها، أحمد بقى أول واحد تنادي عليه لو عيط، وأول واحد تشيله لو تعب. أما أنا، ففضلت فاكر درس واحد: مش كل أم بتبعد عن ابنها بتكون قاسية… أحيانًا بتكون محتاجة حد يفهم إنها هي نفسها بتصارع حاجة جوه عقلها، قبل ما نحكم عليها.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى