لما فتحت باب شقتي في المعادي ولقيت جوزي قاعد بيتفطر مع واحدة باين عليها في سن مرات ابني، حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت للمرة التانية في حياتي. ما كانتش واحدة غريبة، دي نفس البنت اللي مريم، مرات ابني، شافتها طالعة مع مصطفى من فندق في الزمالك من أسبوعين. — بتعمل إيه هنا؟ — سألته بصوت واطي من غير ما أصرخ. مصطفى حط فنجان الشاي على الترابيزة وابتسم ببرود استفزني أكتر:
— جاي ألم حاجتي. وقلت بالمرة تعرفي سارة. مريم كانت واقفة جنبی في المطبخ ووشها أصفر: — يا أستاذ مصطفى، إنك تجيبها هنا دي قلة احترام! رد وهو بينفخ: — دي بيتي أنا كمان.. على الأقل لحد دلوقتي. بصيت للبنت.. سارة كانت حاطة نظارة شمس فوق شعرها، وايدها متزوقة بشياكة، وشايلة شنطة ماركة غالية أوي على واحدة مصطفى بيقول عنها “يا دوب لسه بتبدأ مشروع كوافير”. من ٣٦ سنة فاتت، عشت نفس المشهد بظروف مختلفة، بس بنفس المرارة.
كان عندي أربعة وعشرين سنة، شايلة عيل صغير على إيدي ومحيورة في الدنيا، لما شفت مصطفى ماشي ماسك إيد واحدة تانية في وسط البلد. ولما واجهته ليلتها، رد عليا بجملة عمرها ما طلعت من دماغي: — كانت غلطة.. وبعدين هتروحي فين يعني بعيل صغير كده؟ كنت عايزة أمشي وأسيبله البيت، بس حماتي، الحجة فاطمة الله يرحمها، هي اللي وقفتله بالمرصاد: — مرات ابنك تتقدر وتحترم.. لو عملت الحركة دي تاني لا أنت ابني ولا أعرفك.
الحجة فاطمة كانت بتعاملني زي بنتها وأكتر. ولما تعبت بالكانسر بعد سنين، أنا اللي شلتها وخدمتها لحد آخر يوم في عمرها. عشان خاطرها، وخوفاً من إن ابنك يكبر من غير أبه، ولأن مصطفى حلفلي إنه اتغير.. قررت أسامح وأكمل. وفضلت فاكرة لسنوات طويلة إن القرار ده هو اللي حمى بيتي. ابني حازم كبر، ودخل هندسة، واتجوز مريم وجابوا لي سيف.. الولد اللي بقيت بشوف الدنيا من خلال عينيه. بس مصطفى؟ عمره ما عرف يقرب من حفيظه.
— العيال دوشة وجع دماغ — كان يقول كده كل ما سيف يجري عشان يحـ,ـضنه. وكنت أنا أطبطب وأبرر: — جدك تعبان معلش يا حبيبي.. هو طبيعته كده. حد ما جه يوم، ومريم دخلت عليا ووشها متغير خالص: — يا طنط.. محتاجة أقولك على حاجة. — قولي يا مريم على طول، خضيتيني! تنهدت بصعوبة وقالت: — أنا شفت أستاذ مصطفى مع بنت صغيرة. ساعتها حسيت بنفس القشعريرة القديمة بتجري في جسمي.
مريم ما رضيتش تتكلم من أول مرة شافته فيها.. استنت، وراقبت من بعيد. وبعد أيام شافته داخل معاها مستشفى خاص في المهندسين، وبعدها شافته بيبوسها في العربية في باركينج مول في أكتوير. ما صرختش. ما عيطتش. استنيته لحد ما رجع من العشاء مع أصحابه بتوع الشركات. — من إمتى؟ — سألته وأنا حاطة الصور المطبوعة قدامه على الترابيزة. اتسمر مكانه أول ما شاف الصور: — مين اللي جابلك البتاع ده؟
— ما تغيرش الموضوع! ضحك ضحكة قاطعة كده وقال: — إحنا كبرنا يا ثريا.. وعشنا حياتنا خلا ص. — يعني ده يديك الحق تهينني وتصغرني؟ — معناه إن من حقي أعيش الكام سنة اللي فاضلينلي! — مع واحدة أصغر منك بـ ٣٠ سنة؟! هز كتافه ببرود: — سارة بتخليني أحس إني لسه صغير. ساعتها فهمت الحقيقة المرة: أنا مش بمد إيدي لراجل بيعتذر.. أنا بسمع كلام راجل بيودعني. — تمام.. يبقى بكرة نتكلم في الطلـ,ـاق.
ضحكته اختفت لأول مرة: — ما تبدئيش بأوفرة وخيال.. كبرنا على الحركات دي، وممكن نلم الموضوع. — المرة اللي فاتت لميناه من ٣٦ سنة، وأنت وعدتني إنك عمرك ما هتعمل كده تاني. — الناس بتتغير! — صح.. وأنا كمان اتغيرت. ثاني يوم الصبح، مصطفى رجع ومعاه سارة عشان ياخد أوراقه وهدومه. كنت فاكرة إن الموضوع هيعدي بهدوء، بس هو قعد معاها يفطر في صالون بيتي وكأنه بيثبتلي إنه خلاص اختار حياته الجديدة.
في اللحظة دي، البنت القلقانة اللي كان عندها ٢٤ سنة وخايفة من العيشة لوحدها.. اختفت تماماً. — مصطفى.. خد حاجتك واطلع برة بيتي. — بيتنا! حطيت فايل أوراق على الترابيزة: — يبقى الأحسن تقرأ ده الأول. فتح الفايل، ووشه اتغير تماماً. جوا الفايل كان فيه صور العقود، وحسابات البنوك، والأوراق اللي جمعتها بمساعدة المحامية. الشقة اه اتكتبت أيام الجواز، بس المقدم كله كان من ورث أبويا الله يرحمه. غير إن على مدار ٣٠ سنة كنت بشتغل من غير أجر في معرض الأثاث بتاع العيلة: إدارة، موردين، حسابات، زباين، أوراق، ومرتبات.. واسمي مكتوب في أوراق أكتر بكثير من اللي هو فاكرها.
— انتي مش هتقدر تاخدي مني كل حاجة! — أنا مش عايزة أخد كل حاجة.. أنا هاخد حقي وحق شقايا. سارة قامت واقفة ومكسوفة: — أنا طالعة أحسن.. بصيتلها وقلت: — اه أصلحلك.. وبس افتكري حاجة واحدة: الراجل اللي يبيع واحدة وقفت جنبه ٣٦ سنة، يبيعك أنتِ في ثانية. ما ردتش. ومصطفى مشي وراها لحد الباب، وقبل ما يخرج بصلي بغل: — هترجعي تندمي! بصيتله بثبات: — نفس الجملة اللي قلتها لي أول مرة.