ابتسم واطمن، وسمى الله وبدأ ياكل بشهية مفتوحة. القعدة كانت كلها هزار، عمتي بتبص للسفرة المليانة وبتضحك وتقول لماما: إيه يا أم سيف، العز ده كله؟ كل دي لحوم وصواني؟ مين مسك قلبك وخلاكي تصرفي كده؟ ماما بصت لعمي بامتنان وقالت بضحك: هو أنا لولا اللحم اللي بيجيبهولنا عبد الصمد، كتر ألف خيره، ما كنتش عرفت أعزمكم. ده بيجيب كتير وفايض كمان، ربنا يخليهولنا. خالي أمّن على كلامها وقال: آه والله، ربنا يكرمه ويوسع رزقه، ده بيجيبلنا كلنا ومغرقنا.
وعمتي كملت: ده حبيبي وأخويا، مش مخليني أحتاج أروح لجزار أبداً والله. عمي كان عمال ياكل من طبقه، بيمضغ اللحمة باستمتاع، ومسح بقه بمنديل وقال بفخر: طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا بإذن الله، مش هخليكم تحتاجوا تشتروا كيلو لحمة واحد من بره، إنتو لحمكم من دمي. الكل قعد يدعيله من قلبهم، وهو كان في قمة سعادته. بعد ما خلصنا أكل، شلنا الصواني ونضفنا السفرة، وعملنا الشاي وبدأنا نشرب وإحنا بنتفرج على التليفزيون وبنضحك. بصيت لعمي ولقيته قاعد مرتاح ومبسوط، فقلت أهزر معاه وأثبتله إن كلامي كان صح.
قربت منه وقلتله بضحك ومكر: إيه يا عمي؟ حاسس بحاجة وجعاك؟ معدتك فيها حرقان؟ استغرب سؤالي وقالي وهو بيشرب الشاي: أبداً والله يا بنتي، ده أنا أصح يوم ليا النهاردة، قعدتكم دي بتشفي العليل. ضحكت بصوت عالي وقلتله: أصل أنا عملت حاجة ومقدرش أنام وأنا مخبياها عليك.. بصراحة، اللحمة البلدي اللي إديتهاني الحلة بتاعتها وقعت مني واتكبت، فصبيتلك من اللحم الاسكتلندي بتاعنا اللي طبخناه لينا! الحمد لله أهو إن مجالكش حرقة معدة ولا حموضة ولا حاجة، وطلعت نفسية بس!
كنت مستنياه يضحك، أو حتى يشتمني بهزار… بس اللي حصل كان مر.عب. الكوباية وقعت من إيد عمي واتدشدشت على الأرض. وشه اللي كان بيضحك من ثانية، لونه اتخ.طف.. بقى أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف كأنها هتخرج من مكانها، والدموع اتجمعت فيها بسرعة غريبة. بصلي بر.عب وقرف شديد وارتجاف، وقال: إنتي… إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟! الكل سكت. الضحك اتقطع. أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله مر.عب كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، هجم عليا ومسكني من رقبتي، كان عايز يخنقني بجد، صوابعه كانت بتغرز في لحمي وهو بيصرخ بصوت مش صوته:
يا بنت الكلب! يا بنت الكلب! الكل اتفاجأ وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا يحوشوه عني بالعافية، وماما شدتني لح.ضنها وهي بتصرخ، مش فاهمة في إيه. وقبل ما حد يقدر يسأله مالك، عمي سابنا وجري زي الملسوع على الحمام… _حكايات_زهرة صوت ترجيع عنيف، متواصل.. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه، والر.عب.. الر.عب الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها….يتبع أكيد، هكملها لك بنفس أسلوب الحكاية الشعبي المشوّق، مع كشف السر تدريجيًا ونهاية مفاجئة مناسبة للنشر.
الكتابة تكملة الحكاية كاملة: فضلنا واقفين قدام باب الحمام مش فاهمين حاجة. صوت عمي عبد الصمد من جوه كان مر.عب… ترجيع متواصل، وبين كل مرة والتانية نسمعه بيشهق كأنه بيحاول ياخد نفسه. ماما كانت بتعيط وهي ماسكة إيدي: — إنتي عملتي فيه إيه يا بنتي؟! قولتلها وأنا حرفيًا بترعش: — والله ما عملت حاجة يا ماما… أنا بس قلتله الحقيقة! خالي خبط على باب الحمام: — يا عبد الصمد! افتح يا أخويا! إنت كويس؟
مفيش رد. وبعد ثواني سمعناه بيقول بصوت متقطع: — محدش… محدش يدخل! وبعدين سكت. الدقايق عدت علينا كأنها ساعات. وفجأة الباب اتفتح. عمي خرج وشه أبيض زي الورق، هدومه متبهدلة، وإيده بتترعش. بص لنا كلنا، وبعدين بص لماما وقال: — أم سيف… أنا لازم أقولكم الحقيقة. ماما قربت منه وهي بتعيط: — حقيقة إيه يا عبد الصمد؟ إنت خوفتنا! قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على راسه. وقال: — اللحمة اللي كنت بجيبها لكم كل أسبوع… مش بقر اسكتلندي.
أنا حسيت إن قلبي وقف. خالي قال: — أمال إيه؟ عمي سكت شوية، وبعدين قال: — لحمة بلدي… بس أنا كنت باخدها من مكان محدش فيكم يعرفه. عمتي استغربت: — يعني إيه مكان محدش يعرفه؟ رفع عينه وبص لها: — المكان ده كان تابع لواحد صاحبي… وكان بيشتري عجول نافقة أو مريضة جدًا بأسعار رخيصة، ويبيعها على إنها لحمة سليمة. ماما حطت إيدها على بقها. — يا ساتر يا رب!
عمي كمل: — في الأول كنت فاكر إني كسبان صفقة… وبعدين بدأت أشك. اللحمة لونها غريب، ومفيهاش دهن تقريبًا، وكانت بتحتاج وقت طويل عشان تستوي. بص لي وقال: — بس أنا كنت بقول لنفسي: طالما الناس أكلتها ومحدش اشتكى، يبقى خلاص. خالي ض.رب كف بكف: — وإنت كنت بتجيبها لأختك وولاد أخوك؟! عمي نزل راسه. — أيوه. ماما انهارت في العياط: — خمس سنين يا عبد الصمد! خمس سنين وإنت بتأكلنا من ده؟!
عمي رد بسرعة: — والله ما كنت عارف إنها وصلت للدرجة دي! أنا بصيت له وقلت: — طب وإنت ليه كنت بتقول إنك بتستورد بقر اسكتلندي؟ رفع عينه وقال: — عشان أخبي عليكم الحقيقة… وعشان لو قلتلكم إنها لحمة رخيصة، محدش هياكلها. البيت كله سكت. لكن كان فيه سؤال واحد لسه محدش سأله. ليه عمي انهار بالشكل ده أول ما عرف إنه أكل منها؟ بصيت له وقلت: — طب إنت كنت عارف إنها بتتعب معدتك من زمان… صح؟
هز راسه ببطء. — أيوه. — طب ليه خوفت بالشكل ده لما عرفت إني أكلتك منها؟ عمي بلع ريقه. وبص لنا كلنا. وبصوت منخفض قال: — عشان أنا… ماكنتش بخاف من اللحمة نفسها. اتجمدنا. — أمال كنت بتخاف من إيه؟ عمي سكت طويلًا، وبعدين قال: — من صاحب المكان. خالي قرب منه: — يعني إيه؟ عمي بدأ يحكي. قال إن صاحبه كان بيجيب اللحوم من مصدر مش قانوني، وإنه في مرة حصلت مشكلة كبيرة، واتمسك ناس من اللي كانوا شغالين معاه، ومن ساعتها عمي قطع علاقته بيه.
لكن قبل ما يقطع علاقته، كان عمي قد أخذ منه كمية كبيرة من اللحوم وخزنها عنده. والأخطر… إنه كان بيغير مصدر اللحمة كل فترة، لكن مبيغيرش طريقة بيعها. كان يقطعها ويغلفها، ويقول للناس إنها لحمة مستوردة. سألته: — طب والـ15 كيلو اللي كنت بتجيبهالنا كل جمعة؟ سكت. ماما قالت: — قول يا عبد الصمد! قال: — كانت من نفس المصدر. ماما شهقت. لكن عمي كمل: — إلا آخر مرة. الكل بص له.
— آخر مرة؟ قال: — آخر شحنة استلمتها كانت مختلفة… صاحب المكان قالي إنها من مزرعة خاصة، ومش لازم أسأل كتير. أنا افتكرت حاجة. قلت: — عمي… طب اللحمة اللي وقعت مني؟ عينيه اتسعت. — لحمة إيه؟ — الكيلو اللي إنت جبتهولي وقلتلي إنها بلدي… اللي وقعت واترمت. وشه اتغير. — إنتي رميتيها؟ — أيوه. قعد ساكت. وبعدين قال: — الحمد لله. أول مرة أشوفه يقولها وهو مرعوب بالشكل ده.
سألته: — ليه؟ قال: — لأن الكيلو ده تحديدًا… هو اللي أنا كنت شاكك فيه. خالي سأله: — شاكك في إيه؟ عمي قال: — يوم ما اشتريته من الجزار صاحبي، لقيته بيقولي: “دي مش زي أي لحمة عندك، خد بالك منها.” أنا قلتله يعني إيه؟ قال لي: — معرفش… بس لو عندك شك، متبيعهاش. عمي حط إيده على وشه: — وأنا بدل ما أرميها، جبتها آكلها لوحدي. سألته: — طب ليه؟
قال: — عشان كنت عايز أجربها الأول. وهنا خالي انف.جر فيه: — يعني كنت بتجربها على نفسك بعد ما خمس سنين بتجرب اللحمة التانية علينا؟! عمي مقدرش يرد. ماما قالت: — طب والحل دلوقتي؟ خالي قال فورًا: — محدش ياكل أي لحمة موجودة في البيت. نحط كل اللي باقي ونبلغ الجهات المختصة. وفعلًا، جمعنا كل اللحوم الموجودة. وعمي بنفسه وافق إن كل حاجة تتفحص. بعد يومين… جالنا خبر خلانا كلنا نتخض.
التحاليل أثبتت إن اللحوم الأخيرة كانت من مصدر غير مطابق للمواصفات، وإن جزءًا من الكمية كان فاسدًا وغير صالح للاستهلاك. لكن المفاجأة الأكبر كانت في حاجة تانية… الجهات المختصة وصلت للمحل اللي كان عمي بياخد منه اللحمة. واتضح إن المكان كان بيبيع لحوم مجهولة المصدر على إنها لحوم مستوردة. أما عمي… فتم التحقيق معاه باعتباره كان بيتعامل مع المكان ده لفترة طويلة. وماما؟ فضلت أيام مش قادرة تسامحه. مش عشان اللحمة.
عشان الثقة. كانت كل جمعة لما تسمع خبطة على الباب، تفتكر الأكياس اللي كان بيحطها قدامها وتقول: — أنا كنت فاكرة إنك بتحمينا من الدنيا… طلعت إنت اللي محتاج تحمينا منك. أما أنا… ففضلت أفكر في حاجة واحدة. لو الحلة مكانتش وقعت… ولو كنت أكلت عمي من الكيلو اللي هو جابه لنفسه… يمكن كنا اكتشفنا الحقيقة متأخر جدًا. وبعدها بأسبوع، وإحنا بنرتب المطبخ، لقيت كيس أسود صغير مدسوس ورا التلاجة.
فتحت الكيس… ولقيت جواه قطعة لحمة ملفوفة كويس، ومعاها ورقة صغيرة. الورقة كان مكتوب فيها بخط عمي: “دي العينة اللي خلتني أشك في كل حاجة… ومتديهاش لحد مهما حصل.” لكن اللي جمد الدم في عروقي… إن التاريخ المكتوب على الورقة كان من تلات سنين. يعني عمي كان شاكك من تلات سنين… وسكت. وقتها فهمت إن الحكاية لسه مخلصتش. لأن السؤال الحقيقي مكنش: “إحنا كنا بناكل إيه؟” السؤال كان: “عمي كان عارف إيه بالظبط… وساكت عنه ليه كل السنين دي؟”
والإجابة اللي عرفناها بعد كده… كانت أخطر بكتير من حكاية