أنا في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن.. بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين: “أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!” ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها…
أكيد، هكملها بنفس أسلوب الحكايات المصرية المشوّقة، مع تصعيد قوي ونهاية فيها مفاجأة ومعنى. الكتابة فضلت واقفة مكاني… ثانية واحدة بس، لكنها بالنسبالي كانت عمر كامل. الولد نص جسمه جوه الفرن، وإيده الصغيرة بتحاول توصل للعبة، والنار قدامه بتلسع الهوا. وفي اللحظة دي، سمعت صوت جوايا بيقول: “سيبيه… دي فرصتك تاخدي حقك.” لكن صوت تاني، أضعف… كان صوت ضميري. بصيت للولد، لقيته فجأة اتزحلق! صرخت بأعلى صوتي: “يااا حاااجة! الحقيني!”
وجريت عليه من غير ما أفكر. مسكته من هدومه وشديته لورا بكل قوتي، فوقع على الأرض بعيد عن الفرن، وفضل يعيط عياط يهز القلب. الحاجة كانت رجعت في نفس اللحظة، وأول ما شافت المنظر جريت علينا وهي بتصرخ: “يا ساتر يا رب! حفيدي!” شيلته من على الأرض، وأنا واقفة بترتعش ودموعي نازلة. وبعد ثواني، خرجت رحمة من المطبخ على صوت العياط. أول ما شافت ابنها في ح.ضن الحاجة، وشافت الفرن والنار، وشافتني واقفة قدامه… وشها اصفر.
جريت على ابنها وخ.طفته من ح.ضن الحاجة: “ابني! ابني حصله حاجة؟!” الحاجة بصتلها بحدة: “اسألي عليه الأول قبل ما تسألي مين أنقذه!” رحمة سكتت. الحاجة كملت: “لو عليّة ما كانتش شافته، كان ابنك دخل جوه الفرن!” رحمة بصتلي. ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شوفت الخوف الحقيقي في عينيها. قالت بصوت مكسور: “إنتِ… أنقذتيه؟” بصيت لها وقلت: “أيوه.” قربت مني، وعينيها دمعت: “بعد كل اللي أنا قلتهولك؟” رديت بهدوء: “أنا زعلت منك يا رحمة… واتوجعت من كلامك. بس ابنك ملوش ذنب.”
الكلمة دي خلتها تنزل عينيها في الأرض. لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر بكتير. الحاجة كانت واقفة ساكتة، وبصت لرحمة وقالت: “تعالي ورايا.” دخلت بيها الشقة، وبعد دقائق خرجت وهي ماسكة ظرف بني قديم. حطته قدامنا وقالت: “الظرف ده أنا كنت مخبياه من سنين.” فتحت الظرف وطلعت أوراق. وقالت: “الأرض اللي إحنا بنشتغل فيها دي مش كلها بتاع أبو جوزك… نصها أصلاً باسم ولادي، وكل واحد له نصيبه.” رحمة قربت: “يعني إيه؟”
الحاجة بصت لها في عينيها: “يعني الكلام اللي قلتيه لعليّة عن إن كل حاجة هتروح لابنك… كدب.” رحمة اتجمدت. الحاجة كملت: “والأكتر من كده… عليّة ليها حق زيك بالظبط في فلوس الأرض اللي جوزها شقي فيها. وأنا عمري ما هسمح إن حد ياكل حق حد.” أنا ما اتكلمتش. لكن فجأة، جوزي دخل البيت. كان سمع آخر جملة. بص لرحمة وقال: “إنتِ خدتي من فلوس عليّة؟” رحمة حاولت تتكلم: “أنا كنت محتاجة…”
قاطعها: “أنا بسألك سؤال واحد… خدتي ولا لأ؟” سكتت. الحاجة قالت: “خدت سبعة بدل خمسة.” جوزي بصلي. وبعدين بص لأخوه، اللي كان لسه داخل من بره. وقال: “وأنا مش هسكت.” رحمة انهارت في العياط: “والله كنت مضغوطة… أنا غلطت.” جوزي قال: “الغلط إنك تاخدي ألفين من غير إذن. لكن اللي قلتيه لعليّة كان أكبر من الفلوس.” رحمة رفعت وشها. قال لها: “إنتِ كسرتي قلب واحدة من أهل بيتك، وخليتيها تحس إنها مالهاش قيمة لمجرد إنها ماخلفتش.”
سكت البيت كله. أنا لأول مرة حسيت إن حد أخد وجعي وحطه قدامه. لكن المفاجأة كانت لسه جاية. الحاجة حطت إيدها على كتفي وقالت: “عليّة… أنا عايزة أقولك حاجة.” بصيت لها. قالت: “أنا عارفة إنك محرومة من الخلفة، بس عمري ما اعتبرتك أقل من أي واحدة في البيت.” وبعدين بصت لابن رحمة اللي كان نايم في ح.ضن أمه. وقالت: “والنهارده، بعد اللي عملتيه، اتأكدت إن القلب اللي ربنا حطه جواكي أنضف من قلوب ناس كتير.”
رحمة انفجرت في العياط. قامت وقفت قدامي وقالت: “حقك عليا.” ما رديتش. قالت: “أنا كنت غيرانة منك… مش عشان الفلوس.” استغربت. كملت: “كنت غيرانة لأن الحاجة بتحترمك، وجوزك واقف جنبك، وإنتِ عمرك ما طلبتي من حد حاجة. فكنت بحاول أقنع نفسي إنك أقل مني بأي حاجة.” بصيت لها وقلت: “أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة.” قالت: “إيه؟” “عمرك ما تستخدمي ابني كسبب عشان تكسري حد تاني.” دموعها نزلت. قالت: “وعد.”
ومرت الأيام. رحمة رجعتلي الفلوس، والحاجة من يومها بقت هي اللي توزع فلوس المحصول قدام الكل، ومحدش بقى يستلم فلوس حد غير صاحبها. أما أنا… فبعد كام شهر، حصلت حاجة ما كانتش على بالي. كنت قاعدة في الحوش، والحاجة بتنادي عليا من بعيد. “يا عليّة! تعالي بسرعة!” جريت عليها. لقيتها ماسكة ورقة. قالتلي: “مبروك.” قلت: “على إيه؟” ابتسمت وقالت: “التحاليل ظهرت.” إيدي بدأت تترعش. “تحاليل إيه يا حجة؟” ابتسمت والدموع في عينيها:
“إنتِ حامل.” وقفت مكاني مش مصدقة. رحمة كانت واقفة بعيد، وأول ما سمعت الخبر جريت عليا وح.ضنتني وهي بتعيط. وقالت: “ربنا عوضك يا عليّة… عوضك بعد كل اللي شوفتيه.” بصيت للفرن الطين اللي حصل عنده كل شيء. وافتكرت اللحظة اللي وقفت فيها وأنا محتارة بين الانتقام والإنسانية. وساعتها فهمت حاجة عمرها ما فارقتني بعدها: لو كنت سيبت الغضب ياكل قلبي في اللحظة دي، كنت ممكن أخسر نفسي قبل ما أخسر أي حاجة تانية.
أما رحمة… فمن يومها، كل ما تشوف ابنها بيجري في الحوش، كانت تمسك إيده وتقول له: “روح سلّم على عمتك عليّة… دي كانت سبب إنك لسه هنا.” وأنا كنت كل مرة أبص له وأبتسم. مش عشان أنسى اللي عملته أمه… لكن عشان أفتكر إن أوقات كتير، أصعب انتصار في الدنيا مش إنك تنتقم من اللي ظلمك… إنك تفضل إنسان رغم إنك كنت قادر تبقى غير كده.