منوعات

ام المليونيره

قالت مدبرة البيت وهي بتجري: — الحقيها بسرعة… الست الكبيرة وقعت في الجنينة! الطباخة جريت وراها، ولما وصلت لقت الست الكبيرة قاعدة على الأرض، وشها شاحب وإيدها بتترعش. لكن الغريب إنها ما كانتش بتبكي من التعب… كانت ماسكة في إيدها ورقة صغيرة. الطباخة قربت منها وقالت: — حضرتك كويسة؟ الست الكبيرة رفعت عينيها وقالت بصوت ضعيف: — هو ابني… لسه فاكر إني بحبه؟ الطباخة اتصدمت. — طبعًا فاكر يا حاجة… ده ابنك. هزت راسها وقالت:

— يبقى لازم يعرف الحقيقة قبل ما أمـ,ـوت. سكتت لحظة، وبعدين مدت لها الورقة. — دي مش أول مرة مرات ابني تمنع عني الأكل. الطباخة فتحت الورقة… وكان مكتوب فيها تاريخ قديم، وتحت التاريخ جملة: “منعتني من الأكل يومين علشان طلبت أشوف حفيدي.” الطباخة بصت لمدبرة البيت، ومدبرة البيت حطت إيدها على بقها. فجأة فهموا إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي. الست الكبيرة كملت: — من يوم وفـ,ـاة جوزي وهي بتقول لابني إني بقيت بخرف… وإن أي ورق أمضيه ممكن يضيع حقه.

— وبعدين؟ — بعدين بدأت تدخل المكتب معاه… وتطلب منه يمضي توكيلات. الطباخة سألتها: — توكيلات لإيه؟ الست الكبيرة سكتت. وبعدين قالت: — لكل حاجة. في اللحظة دي، سمعوا صوت باب الجنينة بيتفتح. كان ابنها واقف. سمع آخر كلمة. — لكل حاجة إيه يا أمي؟ مراته كانت وراه. وشها اتغير تمامًا. الست الكبيرة بصت لابنها وقالت: — تعال يا ابني… اقعد جنبي. قرب منها. مسكت إيده، وقالت: — أنا ما بطلتش الأكل علشان جسمي استسلم…

— أمال ليه؟ بصت لمراته. — علشان كنت بخاف. مراته صرخت: — أمي بتخرف! إنت مصدقها بعد كل السنين دي؟ لكن ابنها المرة دي ما ردش. لأنه لأول مرة… لاحظ إن أمه بتبص له بنفس النظرة اللي كانت بتبص له بيها وهي طفلة. نظرة واحدة بتقول: “أنا مستنية منك تحميني.” ابنها سأل: — ماما… هي عملتلك إيه؟ الست الكبيرة بدأت تحكي. حكت عن عزلها عن صاحباتها. عن الممرضة اللي اتطردت. عن الأكل اللي كانت بتلاقيه بارد.

عن الباب اللي كان بيتقفل عليها بالساعات. لكنها قالت جملة واحدة خلت ابنها يسكت تمامًا: — أكتر حاجة وجـ,ـعتني… إنها كانت بتقول لي كل يوم: “ابنك مشغول… ومش ناقص مشاكل منك.” ابنها بص لمراته. — الكلام ده حصل؟ مراته بدأت تبكي: — أنا كنت بحاول أحميها! ردت أمه: — من مين؟ سكتت. هنا ابنها افتكر حاجة. توكيل. وحسابات. وشركات. وأوراق كانت مراته بتطلب منه يوقعها بحجة إنها إجراءات عادية. دخل مكتبه بسرعة. فتح الخزنة. وقعد يقلب في الملفات.

وبعد دقائق… لقى ملف باسم أمه. فتح أول ورقة. كان فيها توكيل شامل لإدارة ممتلكاتها. لكن التوقيع… كان باسمها. والتاريخ كان من نفس الفترة اللي بدأت فيها عزلتها. رجع للصالون والورقة في إيده. وقال لمراته: — التوقيع ده توقيع أمي؟ اتلخبطت. — أيوه. — وهي كانت واعية وقتها؟ ما ردتش. — بسألِك! بدأت تبكي. — أنا كنت خايفة على مستقبلنا! قال: — مستقبلنا؟ ولا مستقبلِك؟ سقطت الورقة من إيده. الست الكبيرة قربت منه وقالت: — أنا مش عايزة فلوس يا ابني.

بص لها. — أنا عايزة آخر كام سنة في عمري أعيشهم من غير ما أخاف. في اليوم التالي… ابنها جاب محامي مستقل، وطبيب تاني متخصص في تقييم الحالة الذهنية لكبار السن. واتراجع كل شيء من البداية. والنتيجة كانت صادمة: أمه ما كانتش فاقدة الأهلية… ولا كانت بتخرف… ولا كان عندها مرض نفسي يمنعها من الأكل. كانت تعاني من اكتئاب شديد وعزلة طويلة، لكن حالتها بدأت تتحسن بمجرد ما رجعت تحس بالأمان والاهتمام. أما الطباخة… فابن المليونير طلب منها تقعد.

وقال لها: — أنا ظلمت أمي من غير ما أقصد… وإنتِ أول واحدة خدت بالك. ردت: — أنا ما عملتش حاجة كبيرة. ابتسم وقال: — لأ… إنتِ رجعتيلي أمي. وبعد أسابيع… الست الكبيرة رجعت تقعد على السفرة. مش لوحدها. كان ابنها بيقعد جنبها كل يوم. ومدبرة البيت كانت تحط طبق صغير للطباخة. وفي يوم، الست الكبيرة طلبت منها تقعد معاهم. وقالت وهي بتضحك: — إنتِ مش طباخة البيت من النهارده… الطباخة ضحكت: — أمال إيه؟

قالت: — إنتِ بنت البيت. لكن القصة ما انتهتش هنا… لأن في آخر ليلة، وهي بترتب المطبخ، لقت الطباخة ظرف قديم مستخبي ورا الدولاب. فتحته… وكان جواه جواب مكتوب بخط زوج الست الكبيرة قبل وفـ,ـاته. وفي أول سطر كان مكتوب: “لو في يوم اختفيت من البيت… خدي بالك من الشخص اللي هيحاول يقنع ابني إن أمه بقت عبء عليه.” الطباخة قرأت السطر مرة… واتنين… وبعدين رفعت عينيها ناحية الصالون. وقالت لنفسها: — يعني هو كان عارف من زمان؟

وهنا بدأت الحكاية الحقيقية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى