الكتابة وقفت ورا الباب، وأنا حاطة إيدي على الحيطة عشان ما أقعش. كل كلمة سمعتها كانت بتتغرز في قلبي أكتر من وجع الحادثة نفسها. كنت مستنية يدخل يشوفني… يسألني أنا عاملة إيه… يطمن عليا. لكن اللي شوفته قدامي كان راجل تاني خالص. راجل حنين، خايف، مهتم، بيضحك ويدلع… بس مش معايا. مع أختي. رجعت لأوضتي وأنا بحاول أتماسك، لكن أول ما قفلت الباب ورايا، انهارت دموعي. قعدت على السرير وفضلت أسأل نفسي: “هو أنا كنت عمياء للدرجة دي؟”
افتكرت كل مرة كان بيتعصب فيها لما أجيب سيرة أختي، وكل مرة كان يسألني عنها، وكل مرة كان يصر إنها تزورنا. افتكرت كمان إنه كان حافظ كل حاجة بتحبها. نوع العصير. الأكل اللي بتفضله. حتى الطريقة اللي بتحب حد يكلمها بيها. حاجات أنا، مراته، عمري ما حسيت إنه حاول يعرفها عني. بعد حوالي نص ساعة، فتح باب الأوضة ودخل. أول ما شافني، اتوتر شوية. قال: “إنتِ ليه خرجتي من السرير؟ الدكتور قال ترتاحي.” بصيت له وقلت: “إنت كنت فين؟”
سكت. قلت وأنا بحاول أمنع صوتي من الارتعاش: “عند أختي… صح؟” قال بسرعة: “أيوه، كنت بطمن عليها.” ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع. “بتطمن عليها؟” قرب مني وقال: “أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟” رفعت عيني له وقلت: “أنا كنت في حادثة يا عمار.” سكت. “وأنا أول ما خرجت من العربية… ما بصتش ناحيتي.” “أنا كنت فاقدة الوعي.” “ولما فقت، لقيتك ماسك إيد أختي.” بدأ يتضايق وقال: “قلت لك هي كانت مرعوبة.” قاطعته: “وأنا؟” سكت. “أنا كنت إيه بالنسبة لك؟”
ما ردش. بصيت له وأنا حاسة إن الإجابة اللي مش قادر يقولها كانت أوضح من أي كلام. قلت: “عمار… إنت بتحب أختي؟” اتجمد مكانه. لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه. حاول يضحك وقال: “إنتِ بتقولي إيه؟” قلت: “جاوبني.” فضل ساكت. وقتها فهمت. مش محتاجة اعتراف. صمته كان اعتراف. لكن قبل ما أقدر أقول كلمة، الباب اتفتح فجأة. كانت أختي واقفة. وشكلها كان مختلف. وشها شاحب وعينيها مليانة دموع. بصت لي، وبعدين بصت لعمار، وقالت بصوت مكسور:
“كفاية يا عمار.” اتصدمت. عمار لف لها بسرعة: “إنتِ بتعملي إيه هنا؟” دخلت وقفلت الباب. وبصت لي وقالت: “أنا لازم أقولك الحقيقة… حتى لو هتكرهيني بعدها.” قلبي وقع في رجلي. قلت: “حقيقة إيه؟” نزلت دموعها وقالت: “أنا وعمار… بنحب بعض.” حسيت الدنيا لفت بيا. لكنها كملت بسرعة: “بس والله ما حصل بينا حاجة.” صرخت فيها: “وإنتِ عايزة تقنعيني بإيه؟! إن جوزي كان بيدلعك قدامي في المستشفى عشان مجرد صاحبة؟!” عيطت وقالت: “أنا عارفة إني غلطانة… وعارفة إن وجودي بينكم كان غلط.”
عمار حاول يقاطعها: “منور، خلاص.” بصت له وقالت: “لا. لازم تعرف.” ثم رجعت بصت لي وقالت: “هو اتجوزك عشان حاجة واحدة…” سكتت لحظة. “عشان يفضل قريب منك.” بصيت لها باستغراب. “قريب مني ليه؟” عمار وشه اتغير. وفجأة قال بصوت حاد: “منور… اسكتي.” لكنها كانت خلاص قررت تقول كل حاجة. قالت: “لأن أبوكي قبل ما يمـ,ـوت كان سايب لك سر كبير… وعمار هو الشخص الوحيد اللي يعرفه.” بصيت لعمار. “إيه السر؟” ما ردش. قربت منه وقلت:
“إيه السر يا عمار؟” فضل ساكت. ومنور قالت: “أبوكي ما ماتش وهو مديون زي ما قالوا لك.” سكتت لحظة، وبعدين قالت: “كان سايب لك ورث كبير… وأبوكي كان مخبيه عن كل الناس.” اتسعت عيني. “إنتِ بتقولي إيه؟” قالت: “والأخطر… إن في حد من عيلتك كان بيحاول يوصل للورث ده من سنين.” بصيت لعمار، وبدأت أربط كل حاجة ببعض. الجواز السريع. اهتمامه المفاجئ بفلوسي. سؤاله المستمر عن أوراق أبويا. وخوفه الشديد من إني أبيع البيت. كل حاجة بدأت تاخد معنى مختلف.
لكن السؤال اللي وجعني أكتر من كل ده كان: لو عمار فعلًا بيحب أختي… ليه اتجوزني أنا؟ وبمجرد ما سألت السؤال، رد عمار أخيرًا: “لأني كنت داخل الجوازة دي عشان أحميكي.” سكت لحظة، ثم قال: “بس أنا غلطت… لأني وأنا بحاول أحميكي، وقعت في حب أختك.” وهنا حصلت المفاجأة اللي محدش فينا كان مستعد لها… لأن باب الأوضة اتفتح، ودخل شخص لم أتوقع أبدًا أشوفه في المستشفى. وكان ماسك في إيده ملف قديم عليه اسم أبويا.
وقال: “لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… لازم تقري الورقة دي قبل ما تثقي في أي حد فيهم.”