منوعات

عيد جوز ماما وبابا

عيد جوز ماما وبابا الجزء الثاني والأخير الطلب وصل بعد حوالي نص ساعة. وأول ما عامل الدليفري دخل، حط الأكياس على السفرة. ياسمين فتحتهم قدام أبوها وأمها، وبدأت تحط الأكل في أطباق جديدة. ـ معلش يا ماما… العزومة اللي كنت محضراها راحت، بس أنا مش هسيب يوم زي ده يعدي من غير ما نفرح. أمها ابتسمت، وحاولت تخبي دموعها. ـ كفاية إنك بخير يا بنتي. لكن نوال كانت قاعدة بتبص للأكل الفخم بعينها، وقالت:

ـ هو إحنا مش هنا؟ ياسمين بصتلها بهدوء. ـ لأ يا طنط، الأكل ده معمول مخصوص ليا ولأهلي. دينا ضحكت بسخرية: ـ يعني هنقعد نتفرج عليكم؟ ـ زي ما أهلي اتفرجوا عليكم وإنتوا بتاكلوا العزومة اللي كانت معمولة مخصوص ليهم. الضحكة اختفت من على وش دينا. كريم وقف وقال بعصبية: ـ ياسمين! إنتِ بتعملي إيه؟ ـ باكل مع أهلي. ـ وبفلوسنا؟ هنا ياسمين سكتت لحظة، وبعدين طلعت موبايلها وفتحت تطبيق البنك.

ـ فلوسنا؟ قربت منه الموبايل. ـ الحساب ده مش “حسابك” لوحدك يا كريم. أنا بحط فيه مرتبي من أول يوم جوازنا، وإنت بتحط مرتبك. لكن في الشهرين اللي فاتوا اكتشفت إنك بتسحب منه مبالغ كل أسبوع. كريم اتوتر. ـ وبسحبهم ليه يعني؟ ـ علشان أمك. نوال اتدخلت بسرعة: ـ وأنا عملت إيه؟ ياسمين فتحت كشف الحساب قدامهم. ـ دفعتِ علاج، ودفعتِ قسط، ودفعتِ مصاريف لدينا، وحتى مصاريف سفرياتكم. دينا شهقت:

ـ إنتِ بتراقبينا؟ ـ لأ. أنا بس لأول مرة فتحت حسابي وشفت فلوسي بتروح فين. أبو ياسمين كان ساكت. لكن فجأة قال: ـ ياسمين… إحنا مش عايزين مشاكل. كلي لقمتك وخلاص. بصتله بحزن. ـ أنا عارفة يا بابا. وإنت عمرك ما حبيت المشاكل. وبعدين بصت لكريم: ـ وعشان كده استحملت كتير. كريم قرب منها وقال بصوت منخفض: ـ لو كملتي بالطريقة دي، هتندمي. الجملة دي خلتها تفتكر اللحظة اللي مسك فيها دراعها.

رفعت كم بلوزتها شوية، وظهر أثر أصابعه. أمها حطت إيدها على بقها. أبوها وقف من مكانه. ـ هو إنت مسكت بنتي كده؟ كريم سكت. نوال ردت بدلًا منه: ـ يا حاج، دي مراته! ما بين الزوجين محدش يتدخل. أبو ياسمين بص لها وقال: ـ مراته آه… لكن مش من حقه يهينها. ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال: ـ ياسمين، إحنا هنمشي. ـ لا يا بابا. ـ ليه؟ ـ علشان أنا مش ههرب من بيتي.

وبصت لكريم. ـ هو اللي هيمشي. الكل اتصدم. كريم ضحك بسخرية. ـ أنا؟ أمشي من شقتي؟ ـ شقتنا. ـ لا، الشقة باسمي. هنا ياسمين ابتسمت ابتسامة هادية. ـ متأكد؟ كريم سكت. ـ أصل أنا دفعت مقدم الشقة بالكامل من فلوسي، وإنت سجلتها باسمك لأنك قلتلي وقتها “إحنا واحد”. نوال بصت لابنها. ـ إنت عملت كده؟ كريم اتلخبط. ـ ماما، الموضوع مش كده… ياسمين قاطعته: ـ لأ، الموضوع كده بالضبط. وأخرجت من شنطتها ملفًا صغيرًا.

ـ دي صور التحويلات البنكية، ودي إيصالات المقدم، ودي رسالة منك بتقول فيها إنك هتسجل نصيب الشقة باسمي بعد ما نستلمها. دينا قربت من الملف. ـ إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟ ـ لا. ياسمين بصتلها. ـ أنا بس كنت مصدقة جوزي. ثم التفتت إلى كريم: ـ بس النهارده، أول مرة أفهم إن الثقة من غير احترام ملهاش معنى. كريم بدأ يهدى. ـ ياسمين، تعالي نتكلم لوحدنا. ـ لأ. ـ طب علشان خاطري.

ـ اتكلم قدام أهلي. سكت لحظة، ثم قال: ـ أنا غلطت. نوال صرخت: ـ إنت بتعتذر لها؟! كريم بص لأمه: ـ أيوه يا أمي. ـ بس إحنا ما عملناش حاجة! ـ لأ، عملنا. كانت أول مرة ياسمين تسمع كريم يعترف. قال وهو بيبص في الأرض: ـ أنا كنت عارف إن أمي ودينا خلصوا الأكل كله. نوال بصتله بصدمة. ـ كريم! ـ وكنت عارف إن أهل ياسمين متأخرين. ثم بص لياسمين:

ـ وأنا اللي قلت لهم ياكلوا. نزل الصمت على المكان. ياسمين حسّت إن قلبها اتوجع أكتر من الأول. مش علشان الأكل… علشان اكتشفت إن الشخص اللي كانت مستنياه يحميها، كان هو اللي سمح بالإهانة. أبوها قال بهدوء: ـ يبقى الموضوع مش عزومة فاشلة يا ابني. ـ عارف. ـ الموضوع إن بنتي بقت آخر حد بتفكر فيه. كريم قرب من ياسمين. ـ أنا آسف. ياسمين سألته: ـ آسف علشان الأكل؟ ولا علشان مسكت دراعي؟

كريم سكت. ـ الاتنين. بصت له طويلًا. وبعدين قالت: ـ الاعتذار مش كلمة يا كريم. دخلت المطبخ، وخرجت بصندوق صغير. حطته قدامه. ـ دي كل الحاجات اللي كنت مجهزاها لذكرى جوازنا. فتحه. كان جواه ألبوم صور، وخطاب، وساعة كانت هدية ليه. ـ كنت مجهزة مفاجأة ليك بعد العزومة. كريم فتح الخطاب. كانت أول جملة فيه: “بعد خمس سنين جواز، لسه نفسي أفضل معاك لو فضلنا سند لبعض.” عيناه امتلأت بالدموع.

ياسمين قالت: ـ كنت ناوية أقولك إننا نحجز سفرية لبابا وماما ونفرحهم بيها. ثم ابتسمت بحزن. ـ بس إنتوا خلصتوا الأكل قبل ما يوصلوا… وخلصتوا معاه حاجة أكبر بكتير. كريم رفع عينيه: ـ إيه؟ ـ ثقتي فيك. مرت أيام. كريم طلب من أمه ودينا يعتذروا رسميًا لأهل ياسمين. في البداية نوال رفضت. لكن لما عرفت إن ياسمين بدأت إجراءات فصل حسابها المالي، وإنها مصممة تحط حدود واضحة، اضطرت تواجه الحقيقة.

بعد أسبوع، جاءت نوال إلى بيت ياسمين. كانت شايلة علبة حلوى. وقفت على الباب وقالت: ـ أنا جاية أعتذر. ياسمين فتحت الباب كاملًا. نوال كملت: ـ اللي عملناه يوم العزومة كان غلط، وأنا زودتها بكلامي. ثم قالت جملة لم تكن ياسمين تتوقع سماعها: ـ وأهلك ما يستاهلوش المعاملة دي. ياسمين سكتت. ثم قالت: ـ الاعتذار مقبول يا طنط. نوال تنفست براحة. لكن ياسمين أكملت: ـ بس من النهارده، بيتي له حدود.

هزت نوال رأسها. ـ عندك حق. أما دينا، فاعتذرت بعدها بيومين. لكن المفاجأة الأكبر كانت من كريم. في مساء اليوم نفسه، رجع البيت ومعاه بوكيه ورد. حطه قدام ياسمين وقال: ـ أنا عارف إن الورد مش هيصلح اللي حصل. ـ صح. ـ وعارف إنك مش هتثقي فيا في يوم وليلة. ـ صح. ـ بس أنا مستعد أبدأ من الأول. سألته: ـ من الأول إزاي؟ طلع ورقة وحطها قدامها. كانت إقرارًا بأن أي مصاريف تخص أسرته لن تُدفع من أموالها دون موافقتها، وأن حسابهما المشترك لن يُستخدم إلا باتفاقهما.

ياسمين بصت للورقة. ـ إنت فاكر إن المشكلة فلوس؟ ـ لأ. سكت قليلًا. ـ المشكلة إنك كنتِ لوحدك وأنا المفروض أكون جنبك. لأول مرة منذ فترة طويلة، دموع ياسمين نزلت. لكنها لم تقترب منه. قالت: ـ أنا مش هقولك إني نسيت. ـ ولا أنا عايزك تنسي. ـ بس ممكن أديك فرصة. رفع عينيه. ـ بجد؟ ـ فرصة واحدة. ابتسم. وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب. كان أبوها وأمها. دخلوا ومعاهم تورتة صغيرة.

أمها قالت: ـ إحنا قلنا نعيد العزومة من جديد. ضحكت ياسمين. ـ بس المرة دي مفيش حد هيبدأ الأكل قبل ما الضيوف يوصلوا! ضحك أبوها. حتى كريم ابتسم. وبعدها قعدوا كلهم على السفرة. لكن ياسمين، قبل ما تبدأ الأكل، بصت لأبوها وأمها وقالت: ـ فاكرين العزومة اللي راحت؟ أبوها قال: ـ خلاص يا بنتي، عدت. ابتسمت وقالت: ـ لأ يا بابا… هي ما راحتش. ـ أومال؟ ـ علمتني إن البيت مش حيطان، وإن العيلة مش مجرد ناس بتاكل مع بعض.

وبصت لكريم. ـ العيلة هي الناس اللي لما الدنيا تضيق عليك… يوسعوا لك مكان جنبهم. كريم مسك إيدها. المرة دي، هي ما سحبتهاش. لكنها قالت له بهدوء: ـ خلي بالك… الفرصة دي مش معناها إن كل حاجة رجعت زي الأول. هز رأسه. ـ أنا عارف. ابتسمت. وبدأت العزومة من جديد… لكن المرة دي، الأكل كان قليل. والضحك كان كتير. والسفرة ما كانتش فاضية. لأن أهم حاجة كانت موجودة… الاحترام. ومن يومها، ياسمين ما بقتش تخاف تقول “لأ”.

مش لأنها بقت قاسية… لكن لأنها فهمت أخيرًا إن وضع الحدود مش قلة أدب… ده أحيانًا بيكون الطريقة الوحيدة اللي بتحافظ بيها على كرامتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى