التؤام العربية الحمرا الصغيرة — الجزء الثاني بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجت الدكتورة سارة من الحضّانة وهي بتخلع الجوانتي من إيديها. منى جريت عليها: “الدكتورة… التوأم؟” سارة أخدت نفس طويل وقالت: “لسه حالتهم حرجة، بس بدأوا يستجيبوا.” منى حطت إيدها على قلبها براحة. لكن سارة بصت ناحية مريم. كانت قاعدة على كرسي في آخر الطوارئ، ورجليها مرفوعين على كرسي تاني، وممرضة بتحاول تنظف الجروح اللي في كفوفها. قالت سارة بصوت منخفض:
“البنت دي محتاجة حد يتكلم معاها بهدوء.” منى هزت راسها. “أنا هكون معاها.” لكن قبل ما تتحرك، ظهر صوت أحد الممرضين من آخر الممر: “دكتورة سارة! تعالى بسرعة!” سارة جريت ناحية الحضّانة. دخلت، وقفت قدام سرير التوأم، وبصت للبطانية اللي كانت جاية معاهم. كانت بطانية قديمة، لونها فاتح، ومربوطة من تحت بدبوس كبير. الممرضة بدأت تفكها عشان تغيرها. وفجأة… سمعت صوت ارتطام معدني صغير. “إيه ده؟” رفعت طرف البطانية. كان فيه جسم صغير ملفوف في قطعة قماش.
سارة فتحته بحذر. وتجمدت مكانها. كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا. ومعه ورقة صغيرة مطوية. فتحت الورقة. وكان مكتوب عليها بخط مرتعش: “لو وصلتوا للمستشفى… متسلموش الأطفال لأي حد غير الدكتورة سارة منصور.” سارة بصت للممرضة. “مين حط الورقة دي هنا؟” الممرضة هزت راسها. “مش عارفة.” سارة قلبت الورقة. وكان فيه سطر تاني. “والراجل اللي هيسأل عنهم… متصدقوش كلامه.” في نفس اللحظة… سمعوا صوت عربية بتقف قدام باب المستشفى. بعدها بثواني، دخل أربعة رجال لابسين بدلات سوداء.
واحد منهم قرب من الاستقبال وقال: “إحنا جايين ناخد طفلين حديثي الولادة وصلوا هنا من شوية.” موظفة الاستقبال سألته: “حضرتك قريبهم؟” الراجل ابتسم. “أنا مندوب عن والدهم.” لكن قبل ما يكمل… مريم كانت واقفة بعيد. أول ما شافته… وشها اصفر. وشدت في إيد منى. وقالت بصوت مرتعش: “ده هو…” منى بصت لها. “مين؟” مريم قربت من ودنها وهمست: “الراجل اللي ماما كانت خايفة منه.” منى حسّت بقشعريرة. وفي اللحظة دي، خرجت سارة من الحضّانة.
بصت للراجل. وبصت لمريم. وفهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد أم مريضة وطفلين محتاجين علاج. قالت سارة بحزم: “محدش يدخل الحضّانة.” الراجل تقدم خطوة. “الدكتورة، إحنا مش جايين نعمل مشكلة.” سارة ردت: “وأنا مش هسمح لأي حد ياخد أطفال من المستشفى من غير إثبات رسمي.” الراجل ابتسم ابتسامة باردة. “الإثباتات هتوصل.” وبالفعل… بعد أقل من عشر دقائق، وصل محامٍ ومعاه أوراق. لكن سارة لاحظت حاجة غريبة. اسم الأب في الأوراق…
كان مختلف عن الاسم اللي قالته مريم. وهنا قررت تتصل بالشرطة. في نفس الوقت، خرجت قوة صغيرة ناحية بيت مريم. البيت كان موجود فعلًا بعد برج المية القديم، في منطقة شبه مهجورة. لما الشرطة وصلت… لقوا الباب مفتوح. البيت كان هادي بشكل مخيف. دخلوا غرفة صغيرة. وعلى السرير… كانت أم مريم موجودة. كانت فاقدة للوعي، لكنها كانت حية. تم نقلها للمستشفى فورًا. لكن قبل ما يخرجوا، لاحظ أحد الضباط بطانية كبيرة مرمية في زاوية الغرفة.
وتحتها… كان فيه صندوق حديد صغير. الصندوق كان مقفول بالمفتاح النحاسي اللي وجدته سارة مع التوأم. الضابط أخد الصندوق معاه. في المستشفى، كانت مريم قاعدة جنب باب الحضّانة. كل شوية تسأل: “ياسين وآدم هيصحوا؟” منى ترد عليها: “إن شاء الله.” لكن مريم كانت بتبص ناحية باب المستشفى. كأنها مستنية حد. بعد ساعة تقريبًا… دخل ضابط شرطة وسأل: “مين مريم حسن؟” مريم رفعت إيدها. الضابط قرب منها. وقال: “إحنا لقينا والدتك.”
مريم شهقت: “هي عايشة؟!” “أيوه.” ولأول مرة… ابتسمت مريم. لكن ابتسامتها اختفت لما الضابط قال: “بس لازم أسألك سؤال.” مريم بصت له. “مين الراجل اللي كنتِ خايفة منه؟” مريم سكتت. وبعدين قالت: “اسمه حازم.” الضابط اتغيرت ملامحه. “حازم مين؟” مريم بصت ناحية الأرض. “حازم البدري.” الضابط بص لسارة. والصمت نزل على المكان. لأن اسم حازم البدري كان معروف جدًا في البلد. رجل أعمال قوي. صاحب شركات ومزارع وأراضٍ كتير. ورجل ماحدش تقريبًا كان يقدر يقف قدامه.
لكن السؤال الحقيقي كان: إيه علاقته بامرأة فقيرة وأطفال حديثي الولادة؟ بعد ساعات، فتحت والدة مريم عينيها. كانت مرهقة جدًا. أول ما شافت سارة، قالت: “مريم؟” سارة قربت منها. “بنتك هنا.” دموع المرأة نزلت. “والتوأم؟” “بخير… ولسه تحت الملاحظة.” المرأة أغمضت عينيها براحة. لكن سارة سألت: “مين حازم البدري؟” جسم المرأة كله اتشد. وبصوت ضعيف قالت: “إنتوا… لقيتوا المفتاح؟” سارة هزت راسها. المرأة غمضت عينيها. “يبقى عرف إنهم وصلوا.” “عرف إيه؟”
سكتت لحظات. ثم قالت: “التوأم مش السبب اللي هو بيدور عليهم عشانه.” سارة قربت منها. “أمال بيدور عليهم ليه؟” المرأة بصت ناحية الباب. وتأكدت إن مفيش حد بيسمع. ثم همست: “عشان أبوهم مات… وساب لهم حاجة تساوي ملايين.” سارة اتصدمت. لكن المرأة مسكت إيدها بقوة رغم ضعفها. “والحاجة دي… مش فلوس.” “أمال إيه؟” قالت: “دليل.” في نفس اللحظة… كان حازم البدري داخل عربيته السوداء. المحامي قاعد جنبه. قال: “الأطفال موجودين في مستشفى النور.”
حازم سأل: “والبنت؟” “مريم؟” “أيوه.” “لسه هناك.” حازم سكت شوية. وبعدين قال: “محدش يقرب منها.” المحامي استغرب. “بس حضرتك قلت إن لازم نرجع الأطفال.” حازم بص من شباك العربية. وقال: “الأطفال مش أهم حاجة.” “أمال مين؟” حازم رد بهدوء: “البنت.” “ليه؟” حازم بص له لأول مرة. وقال: “لأنها آخر شخص شاف أبوها قبل ما يمو.ت.” في المستشفى… كانت مريم نايمة على كرسي جنب الحضّانة. لكن قبل ما تغمض عينيها… حست بإيد بتحط حاجة في جيب فستانها.
فتحت عينيها. كانت أمها واقفة قدامها، رغم إنها لسه في حالة تعب شديدة. ومريم همست: “ماما؟!” أمها حطت صباعها على بوقها. “اسمعيني يا مريم.” “إيه؟” “لو أي حد سألك عن اللي شوفتيه ليلة مو.ت باباكي…” مريم بدأت تبكي. “أنا مش فاهمة.” أمها قربت منها وقالت: “قولي إنك مش فاكرة.” وبعدين حطت إيدها على جيب فستانها. “لأن الحاجة دي… هي السبب اللي خلاهم يفضلوا يدوروا علينا.” مريم فتحت جيبها. وأخرجت… كارت ذاكرة صغير.
بصت لمامتها بخوف. “ده إيه؟” أمها دمعت. وقالت: “ده فيه تسجيل يقدر يوقع حازم البدري… ويكشف الحقيقة كلها.” وفجأة… انطفأت أنوار المستشفى. الممر كله غرق في الظلام. وبعد ثواني… اشتغل ضوء الطوارئ الأحمر. وفي آخر الممر… ظهر ظل رجل واقف أمام باب الحضّانة. مريم بصت له. ثم صرخت: “ده هو!” وفي نفس اللحظة… اشتغل جهاز الإنذار. وجريت الممرضات ناحية الحضّانة. لكن الرجل كان اختفى. وعلى أرضية الممر… كان فيه ظرف أسود واحد.
سارة فتحته. ولقت بداخله صورة قديمة لمريم وهي عندها أربع سنين… ومكتوب خلف الصورة: “المرة الجاية… مش هتكوني لوحدك.” سارة بصت لمريم. وفهمت إن الحكاية لسه بدأت… وإن العربية الحمرا الصغيرة… ماوصلتش بالمصادفة للمستشفى. كانت آخر رسالة من أم خافت إن الحقيقة تمو.ت قبل أولادها.