سلفتي مقر.فة جدًا بطريقة ترجع النفس، المصيبة إننا أكلنا وشربنا سوا طول اليوم، والغريب إن جوزها وحماتي محدش منهم بيلفت نظرها لده ولا مهتم. حاولت أتكلم معاها، قالتلي: انتي غيرانة. وقتها عرفت إن الذوق ملوش لزوم معاها، وبنفسي حطيت حد لعكها وقرفها؟؟ أنا عايشة في بيت عيلة في الأرياف، حماتي قاعدة في الدور الأرضي، وأنا وسلفتي إيمان واخدين شقتين قصاد بعض في الدور التاني. بس الشقق فوق دي معمولة للمبيت بس! بننزل من أول ما الشمس تطلع، ومابنطلعش شققنا غير بالليل عشان ننام. الأكل، الشرب، القعدة، وحتى النفس… كله تحت عند حماتي.
أنا وإيمان المفروض الشغل والمطبخ والأكل والشرب كله بيننا بالنص. بس أنا من أول يوم دخلت فيه البيت ده، وحياتي اتحولت لجحيم، والسبب مش الحمل التقيل ولا خدمة البيت… السبب كان إيمان نفسها.
إيمان دي عنوان العك والقرف! ست مش بتعرف يعني إيه نضافة من الأساس. لا بنضافة جسمها، ولا بنضافة ولادها، ولا بنضافة الأكل اللي بنحطه في بطننا. تصحى الصبح، تنزل طيران على المطبخ بجلابية النوم اللي نايمة بيها، مفيش حتى نقطة مية بتيجي على وشها. واضح جدًا إنها بقالها أيام ما شافتش حنفية المية بتنزل مية إزاي، وتنزل بجلابية تقعد بيها تلت أربع أيام لحد ما يظهر عليها طبقات جير ووساخة، وبعدين تغيرها!
المصيبة الأكبر بقى جوة المطبخ… تدخل تعمل الأكل إيدها زفرة، مشمئزة، طين، مش فارق معاها. تقف تطبخ من غير ما تغسل إيدها. تيجي تاخد الحلة أو الطبق من المطبخ، أقولها: يا إيمان، اشطفي الطبق ده الأول قبل ما تحطي فيه الأكل. تكركر بالضحك وتقولي ببرود يفرس: أشطفه ليه يا ختي؟ هو إحنا مش غاسلينه ورافعينه في الدلاب؟ أقولها بالراحة وبكل ذوق: يا بنتي معلش، الدنيا صيف، يمكن جه عليه ترابة، حشرة مشيت عليه، نملة، لازم تشطفي الحاجة قبل ما تحطي فيها الأكل.
تضحك بصوت عالٍ وتقولي: يا أختي لو مشيت بطريقتك ووسواسك ده، مش هنخلص العشا قبل الفجر! سيبك سيبك، النار بتطهر كل حاجة! مرة كنا بننضف بط وفراخ للعيلة، وأنا مسكت البطة وعمالة أنضف بالواحدة وأشيل الريش الصغير والزفر ده خالص عشان شوربتها تطلع نضيفة. فجأة لقيتها شدت البطة من إيدي وقالتلي: إيه اللي بتعمليه ده؟ كده مش هنخلص النهاردة والرجالة زمانهم جايين جعانين! الريش الصغير ده بيختفي في التحمير، محدش بياخد باله منه!
وقطعتها وطبختها بالريش والزفر بتاعها، وحمرتها… والغريب والمصيبة إن الرجالة وحماتي قعدوا ياكلوا ويقولولها: تسلم إيدك يا إيمان. وأنا قاعدة باصة للبطة ومش قادرة أحط لقمة في بؤي، وبقول في بالي: هو أنا اللي مجنونة، ولا الناس دي مش بتحس؟ فضل الحال ده على قلبي زي الصخر لحد ما في يوم. كانت بتعجن فطير مشلتت عشان نسويه للفطار. إيمان كان عندها زكام، وربنا ما يوريك، مناخيرها سايبة. وأنا واقفة جنبها في المطبخ، ألاقيها بكل قرف تمسح مناخيرها بضهر إيدها، ومن غير ما ترمش حتى، ترجع تحط إيدها في العجين وتعجن!
أنا في اللحظة دي معدتي اتقلبت، كنت هصوت وأرجع، ملقيتش نفسي غير وأنا بزعق: إيه القرف ده يا إيمان؟! إنتي بتعملي إيه؟! إزاي ناكل عجين بعد ما عملتي كده بجد؟! وقفت وقفة تحدي، وحطت إيدها المتهببة بالعجين في وسطها، وبصتلي بمنتهى البجاحة وقالتلي: جرى إيه يا بت إنتي؟ حاطة نقرك من نقري ليه من ساعة ما دخلتي البيت؟ أكمِن كل ما أعمل حاجة الرجالة والحاجة يقولوا تسلم إيدك يا إيمان، وأكلك مفيش منه؟ ده قاهرك وكاويكي صح؟
بصيتلها بذهول ومش مصدقة العقلية: أنا كاويني؟ إنتي قصدك إيه يا إيمان؟ أنا بكلمك في نضافة، وفي أكل هنا كله بياكله! قالتلي بثقة تستفز بلد: قصدي واضح! غيرة السلايف دي أنا مش فضيالها يا أختي، وفري كلامك لنفسك. ورجعت تكمل عجن عادي جدًا، ولا كأن حاجة حصلت! جه بالليل، والفطير طلع من الفرن، والكل قعد ياكل بمنتهى الانبساط، وحماتي وجوزها وجوزي نازلين في الفطير ويمدحوا: الله يا إيمان، تسلم إيدك، مفيش حد بيعمل فطير مورق وطري زي فطيرك!
وهي تضحك وتقولهم: بالهنا والشفا على قلوبكم يا رب، مطرح ما يسري يمري! أنا طبعًا مقدرتش ألمس الفطير ولا أحط حتة صغيرة في بؤي. القرف كان خنقني. قمت عملت لنفسي طبق سلطة خضرا، غسلت خضاره بنفسي، وأكلته بس عشان أسد جوعي. عدت أيام وأنا كل ما أشوف إيدها محطوطة في حاجة أقرف أكلها، بقيت عايشة على بواقي العيش الناشف والجبنة، لحد ما جعت وتعبت ومبقيتش قادرة أتحمل. قلت مفيش غير حماتي، هي الكبيرة، وهي اللي هتوقف القرف ده عند حده وتلفت نظرها.
نزلت لحماتي وكانت قاعدة لوحدها، قلتلها: بصراحة يا حماتي، أنا مش قادرة على الوضع ده… إيمان بتطبخ بطريقة مقر.فة جدًا، ومش بتهتم بنضافتها ولا نضافة الأكل، وأنا معدتي مش مستحملة وبموت من الجوع. وحكيتلها تفاصيل اللي بتعمله بالظبط عشان تنبهها. بس حماتي بصتلي بصّة كلها خبث ولؤم، وابتسمت نص ابتسامة وقالتلي: إنتي عايزة تعزلي وتاكلي وتشربي لوحدك فوق في شقتك، مش كده يا نور؟ اتصدمت! الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة: أنا؟ لا والله يا حماتي، مقصدتش كده خالص، أنا بكلمك عن النضافة!