مرات أبو يا ط.ردتنى الجزء الثاني: البيت اللي مكنش موجود فضلت واقفة قدام البيت وأنا حا.ضنة نور، ومش عارفة أعمل إيه. الباب كان خشب تقيل، وعليه مسمار حديد كبير على شكل صليب، وفوقه فانوس صغير نوره أصفر وهادي. الغريب إن مفيش أي صوت طالع من جوه. لا كلام… ولا خطوات… ولا حتى صوت نا.ر. بس ريحة البخور كانت أقوى. نفس ريحة بخور أمي بالظبط. قربت من الباب ومديت إيدي. وقبل ما ألمسه…
الباب اتفتح لوحده. رجعت لورا وأنا شهقت، ونور بدأت تتحرك بين إيديا وتطلع أنين ضعيف. من جوه، ظهر راجل عجوز لابس جلابية صوف غامقة، ولحيته بيضا، وفي إيده عصاية. بص لي فترة طويلة، وبعدين بص لنور. قال بصوت هادي: “اتأخرتي يا زينة.” اتجمدت. قلت له: “إنت تعرفني؟” ابتسم ابتسامة غريبة وقال: “أنا مستنيكي من يوم ما أمك ما.تت.” قلبي دق بسرعة. دخلت خطوة لجوه وأنا مش فاهمة. قلت: “إنت تعرف أمي؟”
العجوز ما ردش. بس أشار لنور وقال: “حطيها جنب النار الأول… البنت لسه فيها نفس.” جريت ناحية المدفأة وحطيت نور جنبها، وبدأت أفرك إيديها ورجليها. العجوز جاب بطانية صوف، ولفها بيها، وبعد دقائق بدأت نور تفتح عينيها. أنا ساعتها بكيت من الفرحة. العجوز بص لي وقال: “متعيطيش… اللي حصل الليلة دي مش صدفة.” سألته: “يعني إيه؟” قال: “أمك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.” طلعت الحجاب النحاس من جيبي. أول ما شافه…
وشه اتغير. قرب مني بسرعة وقال: “مين اداكي ده؟” قلت: “أمي.” مسكه بإيده، وقلبه من الناحيتين. وفجأة قال: “يبقى فعلاً هي كانت واثقة إنك هتوصلي.” قلت: “توصل لإيه؟” العجوز سكت. وبعدين قال: “للحقيقة.” قعدنا جنب النا.ر، وأنا كل شوية أبص ناحية الباب. كنت خا.يفة سعدية تكون ورايا. العجوز حط قدامه صينية عليها عيش ولبن دافي. أول ما شفت الأكل، معدتي قرقرت من الجوع. بس خفت ألمس حاجة. قال لي: “كلي.”
قلت: “أنا مش هاكل قبل أختي.” ابتسم وقال: “أختك هتاكل، وإنتي هتاكلي.” وقسم العيش بينا. وأنا باكل، دموعي كانت بتنزل غصب عني. مش عشان الأكل بس… عشان أول مرة من شهور حد يقول لي: “كلي.” بعد ما نور نامت، العجوز أخدني ناحية أوضة صغيرة. فتح صندوق خشب قديم. طلع منه كيس قماش مربوط بخيط أحمر. وقال: “ده كان عند أمك.” أنا قربت منه. “إزاي؟” قال: “أمك سابته عندي قبل ما تمو.ت.”
فتح الكيس. لقيت جواه صورة قديمة لأمي وهي صغيرة، وورقة مطوية، ومفتاح حديد صغير. مسكت الصورة وصرخت: “دي أمي!” العجوز قال: “وعلى ظهر الصورة مكتوب اسم الشخص اللي كانت بتخاف منه.” قلبت الصورة. كان مكتوب: “سعدية.” حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي. قلت: “سعدية؟ مرات أبويا؟” هز راسه. وقال: “مرات أبوكي ما دخلتش بيتكم صدفة.” في اللحظة دي… سمعنا صوت طرق على الباب. ثلاث خبطات. دق… دق… دق… العجوز بص لي وقال:
“متتحركيش.” الخبط اتكرر. دق… دق… دق… وبعدين صوت ست من بره: “يا شيخ عمران… افتح.” أنا اتجمدت. الصوت كان مألوف. جداً. إنها… سعدية. العجوز طفى الفانوس بسرعة. وأشار لي أستخبى ورا الستارة. دخلت سعدية. كانت واقفة عند الباب، هدومها مبلولة، ووشها مليان غضب. قالت: “أنا عارفة إن البنتين وصلوا هنا.” الشيخ عمران رد بهدوء: “مين قالك؟” قالت: “أنا مش غبية.” سكت لحظة، وبعدين قالت: “زينة بنت صغيرة ومش هتعرف تداري أختها.”
الشيخ قال: “إنتي رميتي طفلتين في الخلا في عز البرد.” ضحكت سعدية وقالت: “وأنا مالي؟ أبوهم هو اللي سابهم في رقبتي.” الشيخ قرب منها وقال: “إنتي عارفة كويس ليه رميتيهم.” سعدية سكتت. ولأول مرة شفت الخوف في عينيها. قالت: “إنت وعدتني إنك مش هتفتح الموضوع ده.” رد: “الوعد كان لأمك… مش ليكي.” وشها اصفر. قالت: “أمها ما.تت!” قال: “جسمها مات… لكن السر اللي سابته عايش.” وأنا ورا الستارة كنت بسمع كل كلمة.
وفجأة نور بدأت تتحرك وتتكلم وهي نايمة: “ماما… ماما زينة…” سعدية سمعت صوتها. بصت ناحية الستارة. صرخت: “هي هنا!” جريت ناحيتي. لكن الشيخ عمران وقف قدامها. وقال: “خطوة واحدة كمان… وهتعرفي ليه البيت ده كان ممنوع حد يقرب منه.” سعدية رجعت لورا. وبصت للبيت بخوف. همست: “إنت رجعت تفتحه؟” قال: “أنا ما فتحتهوش.” وبص لي. “هي اللي فتحته.” سعدية بصت لي، وبعدها للحجاب النحاس اللي في إيدي. صرخت: “الحجاب!” ما فهمتش.
قلت: “إيه حكاية الحجاب؟” سعدية خرجت تجري من البيت. الشيخ عمران ما منعهاش. بس قال: “سيبيها.” قلت: “ليه؟” قال: “لأنها هتروح تقول لأبوكي إنك عايشة.” أنا شهقت. “أبويا؟” قال: “أيوه.” “هو كان فاكرني ميتة؟” الشيخ سكت. وبعدين قال: “أبوكي هو أول واحد لازم تعرفي الحقيقة عنه.” تاني يوم الصبح، لما صحيت… البيت كان اختفى. مفيش مدفأة. مفيش أوضة. مفيش شيخ عمران. كنت قاعدة أنا ونور وسط الشجر، والبطانية الصوف حوالينا، وقدامنا صرة الأكل.
افتكرت إن كل اللي حصل كان حلم. لحد ما لمست الحجاب النحاس. كان دافي. وفي إيدي كان المفتاح الحديد. ومعاه الورقة اللي كانت في صندوق الشيخ. فتحتها. وكان مكتوب بخط أمي: “يا زينة… لو وصلتي للبيت، يبقى سعدية نجحت في اللي حاولت تعمله من سنين. متثقيش في أبوكي، وروحي لبيت جدتك في البلد القديمة. تحت بلاطة الفرن هتلاقي الحاجة اللي تثبت كل حاجة.” وقعت الورقة من إيدي. كنت لسه بحاول أفهم.
وفجأة سمعت صوت جاي من بعيد: “زينة!” رفعت راسي. كان أبويا. واقف بين الشجر. بس اللي خلاني أرتعب… إنه ما كانش جاي لوحده. كان معاه سعدية. وكان ماسك في إيده… نفس المفتاح اللي كان في إيدي. وهنا فهمت إن اللي حصل في الليلة دي… مكنش بداية حكايتي. دي كانت بداية السر اللي أم محبيه