ابويا جاى من الفيوم لما دخلت المطبخ… رجعت بعد دقيقتين. وفي إيدي شنطة كبيرة كنت مخبياها من الصبح. حطيتها قدام أبويا وقلت بابتسامة: “يلا يا بابا… العربية مستنياك تحت.” محمود عقد حواجبه وقال: “عربية إيه؟” بصيت له بهدوء وقلت: “طلبت أكل من مطعم محترم من قبل ما تيجي بساعة. وطلبت كمان عربية توصلك أنت وبابا للمطعم.” اتنرفز وقال: “طلبتي أكل؟! منين جبتي فلوسه؟” طلعت محفظتي وقلت: “من مرتبي… الفلوس اللي بتاخدها مني كل شهر، كنت مخبية جزء صغير منها.”
سكت لحظة. قلت وأنا ببص لأبويا: “أنا مستحيل أخلي أبويا يخرج من بيتي جعان.” أبويا حاول يمنعني وقال: “يا بنتي بلاش مشاكل.” مسكت إيده وقلت: “حضرتك طول عمرك بتأكلني أحسن أكل، وجاي من الفيوم مخصوص عشاني. أقل واجب أكرمك.” في اللحظة دي… جرس الباب رن. فتحت. المندوب دخل بأكياس مليانة أكل. رز، فراخ مشوية، محشي، ملوخية، سلطات، وحلويات. ريحة الأكل ملت الشقة. محمود وقف يبص للأكياس كأنه شايف حلم. وقال بعصـ,ـبية:
“أنا مقولتش نجيب الأكل ده!” رديت بهدوء: “وأنا مقولتش هسمح لضيفي يمشي جعان.” قعدت أنا وأبويا ناكل. أما محمود… فضل قاعد لوحده على الكنبة. بعد شوية قرب وقال: “طب هاتلي طبق.” بصيت له وقلت: “النهارده هنعمل بالنظام اللي أنت حطيته.” استغرب وقال: “يعني إيه؟” قلت: “كباية عصير كفاية… ولو جعان، كان المفروض تجيب غداك معاك.” اتجمد مكانه. وأبويا بص في الأرض من الإحراج. بعد ما خلصنا الأكل… أبويا طلع ظرف صغير من جيبه.
وقال: “كنت ناوي أديهولكم بعد الغدا.” فتح الظرف. كان فيه عقد وشيك بمبلغ كبير. قال: “أنا بعت قطعة أرض صغيرة في الفيوم. وكنت ناوي أساعدكم بمقدم شقة تمليك بدل الإيجار.” محمود خـ,ـطف نفسه وقال بسرعة: “ليه يا عمي؟ إحنا ولادك.” ابتسم أبويا بحزن وقال: “اللي يستكثر عليا لقمة… يستكثر عليه خير كتير.” ورجع حط الشيك في جيبه. وقام يلبس الجاكيت. قبل ما يمشي، حضـ,ـني وقال: “أنا زعلان عليكي يا بنتي… مش على الفلوس.”
بعد ما نزل… الشقة كلها سكتت. محمود فضل يلومني ويقول: “ضيعتي علينا فرصة العمر.” بصيت له وقلت: “اللي ضيعها مش أنا… اللي ضيعها هو البخل وقلة الأصل.” بعد أسبوعين… أبويا كلمني. وقال: “تعالي يا بنتي.” روحت له. فوجئت إنه اشترى شقة صغيرة باسمي أنا وحدي. وقال: “دي أمان ليكي. لو في يوم حسيت إن كرامتك بقت رخيصة، يبقى يبقى ليكي باب تدخلِيه.” الكلام ده هزني. ورجعت أفكر في حياتي كلها.
وبعد شهور من المحاولات الكتير إن محمود يتغير… اكتشفت إنه مستحيل. فضل البخل والإهـ,ـانة أسلوب حياة. وفي النهاية… طلبت الطلاق. يمكن خسرت جواز… لكن كسبت كرامتي. واتعلمت إن البيت اللي مفيهوش احترام للضيف، ولا تقدير للأهل، عمره ما هيكون فيه راحة أو مودة.